كانت ليلة عاصفة، رجع فيها كل الموظفين إلى بيوتهم، ولم يبقَ في المخزن إلا شابٌّ فقيرٌ وحده، وأخذ يرتب البضائع القديمة وحده، وسحابة من الغبار تنطلق من بين ثنايا البضائع المهملة، وعمل في الظلام الدامس، ينتظر ضوء البرق المنعكس بين الفينة والأخرى من نافذة ذلك المستودع المهجور، ليستدل من خلاله على موضعٍ جديدٍ يرتبه في ذلك المخزن المهجور، وانتصف الليل ..... وحدث شيءٌ غريب!! فلقد ارتطمت قدماه بجسمٍ مجهولٍ على الأرض، فرفعه بيديه ليكتشف أنه كتابٌ ملقى في ثنايا الصناديق المهملة، وبعد انتظار.... سقط نصلٌ لامعٌ من البرق لتصبح الحروف المنقوشة على غلاف الكتاب وكأنها حروفٌ من نور انعكست في عيني ذلك الشاب، فلقد ظهر اسم الكتاب وهو «إظهار الحق»! وهو الكتاب الذي غير حياته رأسًا على عقب بعد قراءته، ليتحول بعدها إلى بطلٍ عظيمٍ من عظماء أمة الإسلام، يملأ عبقُه الآفاق ذكرًا وشهرة، ليغير بعد ذلك مجرى التاريخ الإنساني، فلقد كانت هذه الليلة العاصفة وتلك الغرفة المظلمة بداية الانطلاق لأسطورةٍ إسلاميةٍ اسمها: الشيخ أحمد ديدات!
وقد كان هذا الكتاب أحد أسباب فتح آفاق الشيخ ديدات للرد على شبهات النصارى، وبداية لمنهج حواري علمي مع أهل الكتاب، وتأصيلِ ذلك تأصيلًا شرعيًّا يوافق المنهج القرآني في دعوة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلى الحوار وطلب البرهان والحجة من كتبهم المحرفة، ليتحول ديدات من خلاله إلى الـمُناظر الأول للنصارى في تاريخ أمة محمد !وقد يعجب البعض حين يعلم أن النصارى أنفسهم هم الذين صنعوا هذا العملاق الإسلامي! فقد كان الشيخ أحمد ديدات مجرد صبي فقير لا يعرف في الإسلام غير «الشهادة» على حد قوله، ففي أربعينيات القرن الماضي كان المنصِّرون في مدينة «ديربن» في جنوب أفريقيا يمرون عليه في دكان الملح الذي كان يعمل به ليوجِّهوا له أسئلة استفزازية من قبيل: «يا هذا... هل تعلم أن نبيك محمدًا سرق قرآنه من التوراة والإنجيل؟ يا هذا... هل تعلم أن نبيك محمدًا كانت له نساء كثيرات؟ هل تعلم أن نبيك نشر دينه بحد السيف؟» والحقيقة أن أحمد ديدات لم يكن يعرف ماذا يريد أولئك المنصرون بالضبط، فهو بالكاد يعرف أن اسم نبيه هو محمد، فضلًا عن أن يعرف عدد زوجاته! لكنه فهم أن سبب عجزه عن الإجابة ينبع من جهله، فقام بتنفيذ أول أمرٍ إلهي للمسلمين «اقرأ»!، فقد أدرك أنه بالقراءة سيصبح قويًّا، فصار يقرأ عن أشياء يعرف معناها وأشياء لم يسمع بها البتة، فقرأ في التاريخ والأدب والفيزياء والهندسة واللغات وكل ما يخطر على بال إنسان، ثم قرأ عن المسيحية: كتبها - تاريخها - فلسفتها - تفاسيرها، كل شيء من دون استثناء، حتى جاء وقت على الشاب أحمد ديدات لم يجد فيه كتابًا يقرؤه في مكتبة ديربن بعد أن قرأ كل الكتب والمجلات والوثائق الموجودة في المكتبة! فأصبح ذلك الشاب القارئ يمتلك حصيلة لغوية وموسوعة معرفية واطلاعًا ثقافيًّا واسعا، وعندما انتهى الشاب أحمد ديدات من مرحلة بناء الشخصية، بدأ ديدات مرحلة الهجوم المضاد، فصار ينتظر أولئك المنصرين انتظارًا في دكان الملح الذي كان يعمل به أجيرًا، ليرد على أسئلتهم، فيُفحمهم بإجاباته، ثم يلقي الكرة في ملعبهم، مستعينًا بما يحفظه من كتبهم، فقد حفظ الشيخ الأناجيل الأربعة «لوقا - يوحنا - مرقص - متَّى» عن ظهر قلب، بعد أن حفظ القرآن بأرقام آياته وسُوَره، ليتحول هذا الشابُّ الفقير بفضل أولئك الحمقى إلى ماردٍ إسلامي ضخم، فامتنع القساوسة من المجيء للدكان بعدما رأوا ما رأوه منه. المضحك في القصة، أن أحمد ديدات صار ينتظر يوم عطلته الأسبوعية انتظارًا ليتوجه بنفسه إلى كنائسهم يبحث عنهم ليناظرهم! وبعد أن عثر شيخنا على كتاب «إظهار الحق» للعلامة (رحمت الله الأموي) في القصة التي ذكرناها سابقًا، أصبح الشيخ أحمد ديدات أهمَّ مناظر إسلامي على وجه الكرة الأرضية، ليجوب القارات الخمس مناظرًا للنصارى وداعية للإسلام.
وفي نهاية عمره وعلى الرغم من مرضه، طاف الشيخ ديدات ولايات أستراليا محاضرًا ومناظرًا ومدافعًا عن دين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، غيرَ آبهٍ بنصائح الأطباء، حتى وقع الشيخ أرضًا من شدة الإرهاق والتعب، فأصيب بجلطة في الدماغ، فأصبح داعيتنا البطل طريح الفراش لا يستطيع أن يحرك إلا عينيه، ولكنه رغم ذلك لم ييأس، فقد استخدم لوحة ضوئية يختار منها بعينيه حروف الكلمات التي يريد التعبير بها، ليستمر هذا الأسد في مسيرة العلم التي بدأها صغيرًا يوم كان يعمل في دكان الملح، ويوم كان يذهب خُلسة إلى مكتبة ديربن، ويبقى على تلك الحالة الثابتة مدة تسع سنوات يعلم تلاميذه بنظرات عينيه. وفي صباح يوم الاثنين الثامن من أغسطس 2005م الموافق الثالث من رجب 1426هـ فقدت الأمة الإسلامية الداعية الإسلامي الكبير، أسد جنوب أفريقيا الإسلامي، الشيخ أحمد ديدات، فعليه من الله جزيل الرحمات، وواسع المغفرة والكرامات[1].