الآية (1-12): ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ أي: انشقت؛ كما قال: ﴿ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ [المزمل:18].
﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ أي: تساقَطَت. ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ قال ابن عباس: فَجَّرَ اللهُ بعضها في بعض. ﴿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ قال ابن عباس: بُحِثَت. وقال السُّدِّي: تُبَعثر: تُحرَّك فيخرج من فيها.
﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ أي: إذا كان هذا حَصَل هذا.
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ هذا تهديد، لا كما يَتَوَهَّمُه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب؛ حيث قال: ﴿ الْكَرِيمِ ﴾، حتى يقول قائلهم: غَرَّهُ كَرَمُه. بل المعنى في هذه الآية: ﴿ مَا غَرَّكَ ﴾ يا ابن آدم ﴿ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ أي: العظيم؛ حتى أقدمتَ على معصيته، وقابلتَه بما لا يليق؟! عن ابن عمر قال: غَرَّهُ -والله- جهلُه. ورُوي عن ابن عباس والحسن مثلُ ذلك. وقال قتادة: ما غَرّ ابن آدم غير هذا العدو: الشيطان. وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي: «ما غرَّك بي»، لقلتُ: سُتُورك الـمُرخَاة.
﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ أي: جَعَلَك سَويًّا معتدل القامة منتصبها، في أحسن الهيئات والأشكال. ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم؟! في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود؟ قال: «هل لك من إبل؟». قال: نعم. قال: «فما ألوانها؟» قال: حمر. قال: «فهل فيها من أورق[1]؟» قال: نعم. قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: «وهذا عسى أن يكون نزعه عرق». وقد قال عكرمة: إن شاء في صورة قِرد، وإن شاء في صورة خنزير. وكذا قال أبو صالح. وقال قتادة: قادرٌ ‑والله‑ ربُّنا على ذلك. ومعنى هذا القول عند هؤلاء: أن الله عز وجل قادر على خَلْق النُّطْفَة على شَكْل قبيح من الحيوانات الـمُنْكَرَة الخلق، ولكن بقدرته ولُطفه وحِلمه يَخْلقه على شَكْل حَسَن مستقيم معتدل تام، حَسَن المنظر والهيئة.
﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ أي: بل إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي: تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب.
﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿١٠﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿١١﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ يعني: وإن عليكم لملائكةً حَفَظَة كِرامًا فلا تقابلوهم بالقبائح؛ فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم.
الآية (13-19): يُخْبِر تعالى عمَّا يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله عز وجل، ولم يقابلوه بالمعاصي. ثم ذَكَر ما يصير إليه الفُجَّار من الجحيم والعذاب المقيم، ولهذا قال:﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة، ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ أي: لا يغيبون عن العذاب ساعةً واحدةً، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يُجَابُون إلى ما يَسْأَلون من الموت أو الراحة، ولو يومًا واحدًا.
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أَكَّدَهُ بقوله: ﴿ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾، ثم فَسَّرَه بقوله: ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ أي: لا يَقدِر أحد على نَفْع أحد ولا خَلاصِه ممَّا هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
ونذكر ههنا حديث: «يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، لا أملك لكم من الله شيئًا» [رواه مسلم].
ولهذا قال: ﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ كقوله: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر:16]، وكقوله: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ﴾ [الفرقان:26]. قال قتادة: ﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ والأمر -والله- اليوم لله، ولكنه لا يُنَازِعُه فيه يومئذٍ أحد.