حجم الخط:

[التفسير]

الآية (1-10): ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ يُقسِم تعالى بالسماء وبروجها، وهي: النجوم العِظام، واختار ابن جرير أنها: منازل الشمس والقمر وهي اثنا عشر برجًا، تسير الشمس في كل واحد منها شهرًا، ويسير القمر في كل واحد يومين وثلثًا، فذلك ثمانية وعشرون منزلًا ويستسر ليلتين.

﴿ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴿٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ اختلف الـمفسرون في ذلك، وقد رُوي عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود يوم القيامة. وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد. ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد، وقال البغوي: الأكثرون على أن الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة. ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ أي: لُعِنَ أصحاب الأخدود، وجمعه: أخاديد، وهي الـحَفِيرُ في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عَمَدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله عز وجل، فقَهَرُوهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحَفَرُوا لهم في الأرض أخدُودًا وأجَّجُوا فيه نارًا، وأعدُّوا لها وقودًا يُسْعِرُونها به، ثم أرادوهم فلم يَقبَلوا منهم، فقَذَفُوهم فيها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿٦ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ أي: مشاهدون لِـمَا يفعل بأولئك المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ أي: وما كان لهم عندهم ذَنْب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يُضَام من لاذ بجنابه، المنيع الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقَدَره، وإن كان قد قَدَّر على عباده هؤلاء هذا الذي وَقَع بهم بأيدي الكفار به، فهو العزيز الحميد، وإن خَفِيَ سبب ذلك على كثير من الناس.

ثم قال: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ من تمام الصفة أنه المالك لجميع السموات والأرض وما فيهما وما بينهما.

﴿ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي: لا يغيب عنه شيء في جميع السموات والأرض، ولا تخفى عليه خافية.

وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة ومن هم؟!

عن صُهَيب: أن رسول الله قال: «كان ملِك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلمَّا كَبِر السَّاحِر قال للملِك: إني قد كَبُرَتْ سِنِّي وحَضَرَ أجلي، فادفع إليَّ غلامًا لأعلِّمَه السِّحْر. فدَفَعَ إليه غلامًا فكان يُعَلِّمُه السِّحْر، وكان بين السَّاحِر وبين الملِك راهب، فأتى الغلام على الراهب فسَمِعَ من كلامه، فأَعْجَبَه نَحْوُه وكلامُه [وذَكَرَ القصة إلى قوله:] فقال الناس: آمنا بربِّ الغُلَام. فقِيلَ للملِك: أرأيتَ ما كنتَ تَحْذَر؟! فقد -والله- نَزَلَ بكَ، قد آمن الناس كلُّهم. فأَمَرَ بأفواه السِّكَك فَخُدَّتْ فيها الأخاديد، وأُضْرِمَتْ فيها النيران، وقال: من رَجَع عن دينه فدَعُوه وإلا فأَقْحِمُوهُ فيها. قال: فكانوا يَتَعَادَوْن فيها ويَتَدَافَعُون، فجاءت امرأةٌ بابن لها تُرْضِعُه، فكأنها تَقَاعَسَتْ أن تَقَعَ في النار، فقال الصَّبيُّ: اصبري يا أماه، فإنَّكِ على الحق» [رواه مسلم، وأحمد واللفظ له]. وقد أورد ابن إسحاق هذه القصة بسياق آخر... يقتضي أن قصتهم كانت في زمان الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما من الله السلام، وهو أشبه، والله أعلم. وقد يُحتَمَل أن ذلك قد وَقَع في العالم كثيرًا. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أي: حَرّقوا. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن أبْزَى. ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا أي: لم يقلعوا عمَّا فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا. ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ وذلك أن الجزاء من جنس العمل.

﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود: قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.

الآية (11-22): يُخْبِر تعالى عن عباده المؤمنين أن: ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ بخلاف ما أعدَّ لأعدائه من الحريق والجحيم؛ ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ .

ثم قال: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي: إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كَذَّبوا رسله وخالفوا أمرَه لشديد عظيم قوي؛ فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر، أو هو أقرب؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي: من قوته وقدرته التامة يُبْدِئُ الخلق ثم يُعِيدُهُ كما بدأه، بلا ممانع ولا مدافع، ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخَضَع لديه، ولو كان الذنب من أي شيء كان. و﴿ الْوَدُودُ قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب، ﴿ ذُو الْعَرْشِ أي: صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق.

و﴿ الْمَجِيدُ فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للربِّ عز وجل، والجرِّ على أنه صفة للعرش[1]، وكلاهما معنًى صحيح.

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ أي: مهما أراد فَعَله، لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل؛ لعظمته وقهره وحكمته وعدله، كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له -وهو في مرض الموت-: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لِـمَـا أُريد.

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ أي: هل بَلَغَكَ ما أَحَلَّ الله بهم من البأس، وأَنْزَلَ عليهم من النِّقْمَة التي لم يَرُدَّها عنهم أحد؟! وهذا تقرير لقوله: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي: إذا أَخَذَ الظالم أخذه أخذًا أليمًا شديدًا، أخذ عزيز مقتدر. ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ أي: هم في شَكٍّ ورَيب وكُفْر وعِنَاد، ﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ أي: هو قادر عليهم، قاهر لا يَفُوْتُونه ولا يُعْجِزُونه، ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ أي: عظيم كريم، ﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل.