حجم الخط:

[التفسير]

الآية (1-9): ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ أي: إذا غَشيَ الخليقةَ بظلامه، ﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ أي: بضيائه وإشراقه، ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ ، كقوله: ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ:8]. ولَـمَّا كان القَسَم بهذه الأشياء المتضادَّة كان المقسم عليه أيضًا متضادًّا؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادَّة أيضًا ومتخالفة، فمِن فاعل خيرًا ومن فاعل شرًّا، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ ما أُمِرَ بإخراجه، ﴿ وَاتَّقَىٰ الله في أموره، ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ أي: بالمجازاة على ذلك، قاله قتادة، وقال خَصِيف: بالثواب. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو صالح وزيد بن أسلم: ﴿ بِالْحُسْنَىٰ أي: بالـخَلَف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك: أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة: أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدَقَة الفطر. ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ قال ابن عباس: يعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة. وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنةُ بعدها، ومن جزاء السيئة السيئةُ بعدها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ أي: بما عنده، ﴿ وَاسْتَغْنَىٰ قال ابن عباس: أي بَخِلَ بماله، واستغنى عن ربه عز وجل. ﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ أي: بالجزاء في الدار الآخرة.

الآية (10-11): ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ أي: لطريق الشَّرِّ كما قال تعالى: ﴿ [الأنعام: 110]؛ فالله عز وجل يُجازي من قَصَدَ الخير بالتوفيق له، ومن قَصَدَ الشَّرَّ بالـخُذْلان. وكلُّ ذلك بقَدَر مُقدَّر.

عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع رسول الله في بقيع الغرقد في جنازة، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار». فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟! فقال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». قال: ثم قرأ: ﴿ إلى قوله: ﴿ [رواه البخاري].

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ قال مجاهد: أي إذا مات. وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: إذا تردَّى في النار.

الآية (12-14): قال قتادة: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ أي: نُبَيِّن الحلالَ والحرامَ. وقال غيره: من سَلَكَ طريق الـهُدى وَصَل إلى الله. وجَعَلَه كقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [النحل:9]. حكاه ابن جرير. ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ أي: الجميع ملكنا وأنا الـمُتَصَرِّف فيهما. ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ قال مجاهد: أي تَوَهَّج. وعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسولَ الله يقول: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجلٌ توضع في أخمص قدميه جمرتان يَغْلي منها دماغه» [رواه البخاري، ومسلم بنحوه].

الآية (15-21): ﴿ لَا يَصْلَاهَا أي: لا يدخلها دخولًا يُحِيط به من جميع جوانبه ﴿ إِلَّا الْأَشْقَى ثم فَسَّرَه فقال: ﴿ الَّذِي كَذَّبَ أي: بقلبه، ﴿ وَتَوَلَّىٰ أي: عن العمل بجوارحه وأركانه.

﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى أي: وسَيُزَحْزَح عن النار التَّقِيُّ النَّقِيُّ الْأَتْقَى. ثم فَسَّرَه بـ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ أي: يَصْرِف ماله في طاعة ربه؛ ليُزَكِّي نفسه وماله وما وَهَبَه الله من دين ودنيا، ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ أي: ليس بَذْله ماله في مكافأة من أَسْدَى إليه معروفًا، فهو يُعْطِي في مقابلة ذلك، وإنما دَفَعَه ذلك ﴿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ طمعًا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في رَوضَات الجنات، قال الله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ أي: ولسوف يَرضَى من اتَّصَف بهذه الصفات.

وقد ذَكَرَ غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نَزَلَت في أبي بكر الصديق، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسِّرين على ذلك. ولا شكَّ أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها؛ فإن لفظها لفظ العموم، ولكنه مُقَدَّم الأمة وسابِقُهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صِدِّيقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرةِ رسول الله، فكَم من دراهم ودنانير بَذَلَـها ابتغاءَ وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده مِنَّةٌ يَحتَاج إلى أن يكافئه بها.