الآية (1-6): هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه؛ فقوله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجَهون بهذا الخطاب هم كفارُ قريش. وقيل: إنهم من جَهْلِهم دَعَوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنةً، ويعبدون معبوده سنةً، فأَنْزَلَ الله هذه السورة، وأَمَرَ رسوله ﷺ فيها أن يَتَبَرَّأَ من دينهم بالكُلِّيَّة، فقال: ﴿ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يعني: من الأصنام والأنداد، ﴿ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ وهو الله وحده لا شريك له. فـ«ما» ههنا بمعنى «مَن». ثم قال: ﴿ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿٤﴾ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ أي: ولا أَعْبُد عبادَتَكم، أي: لا أسلُكُها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ أي: لا تقتدون بأوامر الله وشَرْعِه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تِلْقَاء أنفسكم. فتَبَرَّأَ منهم في جميع ما هم فيه؛ فإن العابد لا بد له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه، فالرسول ﷺ وأتباعه يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كان كلمة الإسلام: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» أي: لا معبود إلا الله، ولا طريق إليه إلا ما جاء به الرسول ﷺ. والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله، ولهذا قال لهم الرسول ﷺ: ﴿ ﱜ ﱝ وَلِيَ دِينِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝﳞ ﳟﳠ ﳡ ﳢ ﳣ ﳤ ﳥ ﳦ ﴾ [يونس:41]
[وقيل: معنى الآيات]: لا أعبد ما تعبدون الآن ولا أُجِيبُكُم فيما بقي من عمري ﴿ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾.
ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد؛ كقوله: ﴿ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﴾ [الشرح: 5- 6] وحكاه بعضهم -كابن الجوزي وغيره- عن ابن قتيبة.
وثَمَّ قول رابع، نَصَرَه ابن تَيمية؛ وهو أن المراد بقوله: ﴿ لَا أَعْبُدُ ﴾: نفى الفعل؛ لأنها جملة فعلية، ﴿ وَلَا أَنَا عَابِدٌ ﴾: نفى قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد، ومعناه: نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضًا. وهو قول حَسَن أيضًا، والله أعلم.