حجم الخط:

[تفسير السورة]

الآية (1): ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وتستحب في أوّل كل عمل وقول، إن كان قيامًا أو قعودًا أو أكلًا أو شربًا أو قراءةً أو وضوءًا أو صلاةً، فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله، تبرُّكًا وتيَمُّنًا واستعانةً على الإتمام والتقبُّل.

﴿ اللَّهِ عَلَمٌ على الرَّبّ تبارك وتعالى، يقال: إنه الاسم الأعظم؛ لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ﴿ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ ٢٣ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: 22 -24]. وهو اسم لم يُسَمّ به غيره تبارك وتعالى. ﴿ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم. و ﴿ الرَّحْمَٰنِ خاص به لم يُسَمّ به غيره؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ [الإسراء: 110]. وأما ﴿ الرَّحِيمِ فإنه تعالى وصف به غيره، فقال: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

الآية (2): قال أبو جعفر بن جرير: معنى ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ : الشكر لله خالصًا دون سائر ما يُعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذَّاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلِربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا. وقال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضِمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ .

و«الرب» هو: المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى. ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة تقول: رب الدار رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم.

و ﴿ الْعَالَمِينَ جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل، والعوالم أصناف المخلوقات في السموات والأرض، في البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضًا.

الآية (3): قال القرطبي: إنما وصف نفسه بـ ﴿ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بعد قوله: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؛ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ ٤٩ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49، 50]، وقال: فالرب فيه ترهيب، و ﴿ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترغيب. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طَمِع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنطَ من رحمته أحد» [رواه مسلم].

الآية (4): تخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدّعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه. وعن ابن عباس قال: (يوم الدين: يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ، إلا من عفا عنه). والمَلِك في الحقيقة هو الله عز وجل، أما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز. و ﴿ الدِّينِ : الجزاء والحساب كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [النور: 25].

الآية (5): العبادة في اللغة: من الذلة، يقال: طريق مُعَبّد، وبعير مُعَبّد، أي: مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. وقدم المفعول وهو ﴿ إِيَّاكَ ، وكُرّر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين.

وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبه؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى.

وإنما قدّم: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ على ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها.

الآية (6): لما تقدم الثناء على المسؤول ناسب أن يعقّب بالسؤال، وهذا أكمل أحوال السائل، أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته؛ لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنه الأكمل.

الهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق، فتضمّن معنى: ألهِمنا، أو وفقنا، ﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ قال ابن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أنه الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول.

الآية (7): ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وهم أهل الهداية والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره،[و]هم المذكورون في سورة النساء، حيث قال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴿ ٦٩ ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء: 69، 70].

﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، وهي طريقة اليهود، الذين فقدوا العمل. ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ وهم النصارى الذين فقدوا العلم. ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم. عن عدي بن حاتم، عن النبي قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال» [رواه الترمذي وصححه الألباني]. ويستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها: (آمِين)، ومعناه: اللهم استجب.