الآية (1-4): تقدم الكلام على قوله: ﴿ الم ﴾ في أول البقرة، وقوله ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ في تفسير آية الكرسي.
قوله: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ يعني: نزل عليك القرآن يا محمد ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله عز وجل أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا. وقوله: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تصدّقه بما أخبرت به وبشّرت في قديم الزمان، وهو يصدّقها؛ لأنه طابَق ما أخبرت به وبشَّرَت، من الوعد من الله بإرسال محمد ﷺ، وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ ﴾ أي: على موسى بن عمران ﴿ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ أي: على عيسى بن مريم ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: من قبل هذا القرآن ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ أي: في زمانهما ﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغَيّ والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبيّنه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبّه عليه من ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: جحدوا بها وأنكروها، وردّوها بالباطل ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ أي: منيع الجَناب عظيم السلطان ﴿ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ أي: ممن كذّب بآياته وخالف رُسله الكرام، وأنبياءه العظام.
الآية (5-6): يخبر تعالى أنه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ ﴾ أي: يخلقكم في الأرحام كما يشاء، من ذكر وأنثى، وحسَن وقبيح، وشقي وسعيد ﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ أي: هو الذي خلق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا تُرام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها تعريض -بل تصريح- بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله صوَّره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلهاً كما زعمته النصارى وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال؟!
الآية (7): يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أُخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكّم مُحكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغٌ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: ﴿ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو ﴿ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ [النساء:171]، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران:59] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرّحة بأنه خلقٌ من مخلوقات الله، وعبدٌ ورسول من رسل الله. وقوله: ﴿ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ ﴾ أي: تحريفه على ما يريدون. عن عائشة قالت: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ إلى قوله: ﴿ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ فقال: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ» [رواه البخاري ومسلم]. وقوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ ﴾: اختلف القراء في الوقف ههنا، فقيل: على الجلالة. ومنهم من يقف على قوله: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾، وعن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. عن نافع بن يزيد قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم.
وقوله إخبارًا عنهم أنهم ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾ أي: بالمتشابه ﴿ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ ﴾ أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله، وليس شيء من عند الله بمختلِف، ولا متضادّ. قال تعالى: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة، والفهوم المستقيمة.
الآية (8-9): ثم قال تعالى عنهم مُخبرًا أنهم دعوا ربهم قائلين: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ أي: لا تُمِلْهَا عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبّتنا على صراطك المستقيم ودينك القويم ﴿ وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ ﴾ أي: من عندك ﴿ رَحْمَةً ۚ ﴾ تثبّت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾. قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ أي: يقولون في دعائهم: إنك -يا ربنا- ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزى كلًا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.