الآية (1-2): ﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا ﴾ فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفى ما عداها، ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ قال مجاهد وقتادة: أي: بَيَّنا الحلال والحرام، والأمر والنهي، والحدود، ﴿ وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: مُفَسَّرات واضِحَات ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾.
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ الزاني لا يخلو إمَّا أن يكون بِكْرًا، وهو الذي لم يَتَزَوَّج، أو مُحْصَنًا، وهو الذي قد وَطِئَ في نكاح صحيح، وهو حُرٌّ بالغ عاقل. فأما إذا كان بكرًا لم يَتَزَّوَج، فإن حَدَّه مائة جلدة كما في الآية، ويُزَاد على ذلك أن يُغرَّب عامًا عن بلده عند جمهور العلماء؛ لِـمَا ثَبَت في الصحيحين عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهَنيّ قال رسول الله ﷺ: «على ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس -لرجل من أسلم -إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، وعن ابن عباس أن عمر قال: رَجمَ رسول الله ﷺ وَرَجمْنا بعده، فالرجم في كتاب الله حَقٌّ على من زنى، إذا أُحْصِن، إذا قامت البينة أو الـحَبَل أو الاعتراف [متفق عليه].
وقد أَمَرَ رسول الله ﷺ برجم زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لَـمَّا زَنَت مع الأجير، ورَجَم النبي ﷺ ماعِزًا والغامِدِيَّة. وكل هؤلاء لم يُنقَل عن رسول الله ﷺ أنه جَلَدَهم قبل الرَّجم، وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم، وليس فيها ذكر الجلد؛ ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وذهب الإمام أحمد إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية، والرجم للسنة؛ كما روى مسلم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «البِكْر بالبِكْر، جَلْد مائة وتغريب سنة، والثَيِّب بالثَيِّب، جلد مائة والرجم».
وقوله: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ أي: في حكم الله. وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية، وإنما هي الرأفة التي تَحمِل الحاكم على تَرك الحدِّ، فلا يجوز له ذلك. قال مجاهد: الحدود إذا رُفِعَت إلى السلطان تُقَام ولا تُعَطَّل. وكذا رُوي عن سعيد بن جُبَيْر وعَطَاء بن أبي رَبَاح. وقيل: المراد: فلا تقيموا الحدَّ كما ينبغي، من شِدَّة الضَّرْب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضَّرْب الـمُبَرِّح.
وقوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ أي: فافعلوا ذلك؛ أقيموا الحدود على من زَنَى، وشَدِّدوا عليه الضَّرْب، ولكن ليس مبرِّحًا؛ ليَرتَدِع هو ومن يصنع مثله بذلك. وقوله: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ هذا فيه تنكيل للزَّانِيَيْن إذا جُلِدا بحَضْرَة الناس؛ فإن ذلك يكون أَبْلَغَ في زَجْرِهما، وأَنجَع في رَدْعِهما؛ فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحةً إذا كان الناس حضورًا. عن ابن عباس: الطائفة: الرجل فما فوقه. قال الحسن: يعني: علانيةً. قال قتادة: أَمَرَ الله أن يَشهَدَ عذابهما طائفة من المؤمنين؛ أي: نَفَرٌ من المسلمين؛ لِيَكُون ذلك موعظةً وعِبرةً ونكالًا.
الآية (3): الزاني لا يُطَاوعه على مُرَاده من الزِّنا إلا زانيةٌ عاصيةٌ أو مشركةٌ، لا تَرَى حُرمَة ذلك، وكذلك: ﴿ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ ﴾ أي: عاصٍ بزناه، ﴿ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ لا يعتقد تحريمه. قال ابن عباس: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع؛ لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك.
وقوله تعالى: ﴿ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: تعاطيه والتزويج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالفُجَّار من الرجال. وعن ابن عباس قال: حرَّم الله الزِّنا على المؤمنين، وهذه الآية كقوله: ﱡﭐ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﱠ [النساء: 25]
ومن ههنا ذهب الإمام أحمد، رحمه الله، إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة.
الآية (4-5): أَوجَبَ على القاذف إذا لم يُقِم بيّنةً على صحة ما قاله ثلاثة أحكام: أحدها: أن يُجلَد ثمانين جلدة. الثاني: أنه تُـرَدُّ شهادته دائمًا. الثالث: أن يكون فاسقًا ليس بعَدْل؛ لا عند الله ولا عند الناس. ثم قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا ﴾ الآية، اختُلف في هذا الاستثناء هل يعود على الجملة الأخيرة؟ أو الجملتين الثانية والثالثة؟ فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه إذا تاب قُبِلَت شهادته، وارتفع عنه حكم الفِسْق. ونصَّ عليه سعيد بن المسيب وجماعة من السلف أيضًا. وقال أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفِسْق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدًا. وممن ذهب إليه من السلف: القاضي شُرَيح وإبراهيم النَّخَعِيّ وسعيد بن جُبَيْر ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. والله أعلم.
الآية (6-10): هذه الآية فيها فَرَج للأزواج ومَخْرَجٍ، إذا قَذَف أحدهم زوجته وتَعَسَّر عليه إقامة البيِّنة، أن يُلَاعِنها كما أَمَر الله عز وجل ، وهو أن يُحضِرَها إلى الإمام، فيَدَّعِي عليها بما رَمَاها به، فيُحَلِّفَه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء ﴿ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ أي: فيما رَمَاها به من الزِّنا، ﴿ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾. فإذا قال ذلك بانت منه بنَفْس هذا اللِّعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحَرُمَت عليه أبدًا، ويُعْطِيَها مَهرَها، ويَتَوَجَّه عليها حَدُّ الزِّنا، ولا يَدْرَأ عنها العذاب إلا أن تُلاعِن، فـ﴿ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾، أي: فيما رماها به، ﴿ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ فخَصَّها بالغَضَب، كما أن الغالب أن الرجل لا يَتَجَشَّم فضيحةَ أهله ورَمْيها بالزِّنا إلا وهو صادق معذور، وهي تَعلَم صِدْقه فيما رماها به؛ ولهذا كانت الخامسة في حَقَّها أن غَضَب الله عليها. والمغضوب عليه هو الذي يَعلَم الحقَّ ثم يَحِيدُ عنه.
ثم ذَكَر تعالى لُطفَه بخلقه، ورَأفَته بهم، فقال: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ أي: لَـحَرِجْتُمْ ولَشَقَّ عليكم كثير من أموركم، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ ﴾ أي: على عباده -وإن كان بعد الـحَلْف والأيمان المغلظة- ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما يَشرَعه ويَأمُر به وفيما يَنهَى عنه. وقد وَرَدَت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية.
ذِكْر سبب نزولها: عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قَذَفَ امرأته، فقال النبي ﷺ: «البَيِّنَةُ وإِلَّا حَدٌّ في ظَهْرِك». فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلقُ يَلْتَمِسُ البينة؟! والذي بعثك بالحق إني لصادق، وَلَيُنْزِلَنَّ الله ما يُبرئ ظَهري من الحدِّ. فنَزَل جبريل وأَنْزَلَ عليه: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾ فانصرف النبي ﷺ فأَرسَل إليهما، فجاء هلال فشَهِدَ، والنبي ﷺ يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» الحديث [رواه البخاري].