حجم الخط:

الآيات (1-10)

الآية (1-6): قد تقدَّم الكلام على الحروف المقطعة.

وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي: كما أَنزلَ إليك هذا القرآن كذلك أَنزلَ الكتب والصُّحُف على الأنبياء قبلك.

﴿ اللَّهُ الْعَزِيزُ أي: في انتقامه. ﴿ الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله.

عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله : «أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس -وهو أَشَدُّهُ عَلَيَّ- فيَفْصِمُ عني وقد وَعَيتُ ما قال، وأحيانًا يأتيني المَلَك رَجُلًا فيُكَلِّمُني، فَأَعِي ما يقول» قالت عائشة: فلقد رأيتُه يَنْزل عليه الوَحْيُ في اليوم الشديد البَرْدِ، فيَفْصِمُ عنه، وإن جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا [متفق عليه].

وقوله تعالى: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: الجميع عبيد له ومُلْك له، تحت قَهْرِهِ وتصريفه.

﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ؛ كقوله تعالى: ﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد:9]، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]، والآيات في هذا كثيرة.

وقوله: ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ قال ابن عباس وقتادة والسُّدِّي: أي فَرَقًا من العظمة. ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ كقوله: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7].

وقوله: ﴿ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ إعلام بذلك وتَنْوِيهٌ به.

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يعني: المشركين.

﴿ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ أي: شهيد على أعمالهم، يُحصِيْها ويَعُدُّهَا عَدًّا، وسيجزيهم بها أوفرَ الجزاء، ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [هود:12].

الآية (7-8): يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ﴿ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا أي: واضحًا جليًّا بَيِّنًا.

﴿ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وهي مكة ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا أي: من سائر البلاد شرقًا وغربًا، وسُمِّيتْ مكة «أم القرى» لأنها أَشْرَف من سائر البلاد، لأدلةٍ كثيرة مذكورة في مواضعها.

ومن أوجز ذلك وأَدَلِّهِ ما رُوي عن عبد الله بن عَدِي بن الحمراء الزهري: أنه سمع رسول الله يقول -وهو واقف بالـحَزْوَرَةِ في سوق مكة-: «والله إنكِ لَـخَيْرُ أرض الله، وأَحَبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجْتُ منك ما خَرَجْتُ» [رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني]. وقوله: ﴿ وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد.

﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ أي: لا شكَّ في وقوعه، وأنه كائن لا محالة.

﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9] أي: يَغْبِنُ أهلُ الجنة أهلَ النار[1]، وكقوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿١٠٣ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿١٠٤ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:103-105].

وعن عبد الله بن عمرو، قال: خَرَجَ علينا رسول الله وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» قال: قلنا: لا، إلَّا أن تُخْبِرَنا يا رسول الله، قال للذي في يده اليُمنى: «هذا كتاب من ربِّ العالمين، بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أَجْمَلَ على آخرهم، لا يُزَادُ فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا» ثم قال للذي في يساره: «هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أَجْمَلَ على آخرهم، لا يُزَادُ فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا» فقال أصحاب رسول الله : فلأيِّ شيءٍ إذًا نَعمَل إن كان هذا أَمْرٌ قد فُرِغَ منه؟! فقال رسول الله : «سَدِّدُوا وقاربوا؛ فإنّ صاحب الجنة يُخْتَمُ له بعمل الجنة، وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَل، وإنّ صاحب النار يُخْتَمُ له بعمل النار، وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَل» ثم قال بيده فقَبَضَها، ثم قال: «فَرَغَ ربكم عز وجل من العباد» ثم قال باليمنى فنَـبَذَ بها فقال: «فريق في الجنة»، ونَبَذَ باليسرى فقال: «فريق في السعير» [رواه أحمد والترمذي والنسائي، وحسّنه الألباني].

وعن أبي نضرة، أن رجلًا من أصحاب النبي -يُقَال له: أبو عبد الله- قال: سمعت رسول الله يقول: «إن الله قَبَضَ بيمينه قبْضَةً، وأخرى باليد الأخرى، قال: هذه لهذه، وهذه لهذه ولا أُبَالِي» فلا أدري في أَيِّ القَبْضَتين أنا. [رواه أحمد، وصححه الألباني].

وأحاديث القَدَر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدًّا.

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً أي: إما على الهداية أو على الضَّلالة، ولكنه تعالى فاوتَ بينهم، فهَدَى من يشاء إلى الحقِّ، وأضَلَّ من يشاء عنه، وله الحكمة والحجة البالغة؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ .

الآية (9-10): يقول تعالى مُنكِرًا على المشركين في اتِّخاذهم آلهةً من دون الله، ومُخبرًا أنه هو الولي الحقُّ الذي لا تَنبَغي العبادة إلا له وحده؛ فإنه القادر على إحياء الموتى، وهو على كل شيء قدير.

ثُم قال عز وجل: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أي: مهما اختلفتم فيه من الأمور، وهذا عام في جميع الأشياء ﴿ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أي: هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ؛ كقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59].

﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي أي: الحاكم في كل شيء.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي: أَرْجِعُ إليه في جميع الأمور.