الآية (1-3): يقول تعالى مخبرًا عن نوح عليه السلام إنه أرسله إلى قومه آمرًا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم؛ ولهذا قال: ﴿ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١﴾ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ أي: بَيِّن النّذارة، ظاهر الأمر واضحه، ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ﴾ أي: اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ فيما آمركم به وأنهاكم عنه.
الآية (4): ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾ أي: إذا فعلتم ما أمرتكم به وصدَّقتم ما أُرسلت به إليكم، غفر الله لكم ذنوبكم. و«مِن» ههنا قيل: إنها بمعنى «عن»؛ تقديره: يصفح لكم عن ذنوبكم. واختاره ابن جرير. وقيل: إنها للتبعيض، أي: يغفر لكم الذنوب العظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام.
﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أي: يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه أوقعه بكم، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم، يزاد بها في العمر حقيقة. ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة؛ فإنه إذا أمر تعالى بكون ذلك لا يُرد ولا يمانع؛ فإنه العظيم الذي قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات.
الآية (5-6): يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام أنه اشتكى إلى ربه عز وجل ما لقي من قومه، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما بيَّن لقومه ووضَّح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم، فقال: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ﴾ أي: لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار، امتثالًا لأمرك وابتغاء لطاعتك، ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴾ أي: كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فَرُّوا منه وحَادُوا عنه.
الآية (7): ﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ﴾ أي: سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه؛ كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت:26].
﴿ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: تنكَّروا له لئلا يعرفهم. وقال سعيد بن جبير والسدي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول. ﴿ وَأَصَرُّوا ﴾ أي: استمروا على ما هم فيه من الشـرك والكفر العظيم الفظيع، ﴿ وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴾ أي: واستنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له.
الآية (8-10): ﴿ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴾ أي: جهرةً بين الناس ﴿ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ ﴾ أي: كلامًا ظاهرًا بصوت عال، ﴿ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴾ أي: فيما بيني وبينهم، فَنوَّع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ﰀ ﰁ﴾ أي: ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتوبوا إليه من قريب؛ فإنه من تاب إليه تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشرك؛ ولهذا قال: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ﰀ ﰁ﴾.