حجم الخط:

الآيات (1-11)

الآية (1-2): قد تقدم الكلام في أول «سورة البقرة» على ما يتعلَّق بالحروف، واختلاف الناس فيه. ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي: هذا كتاب أنزل إليك من ربك، ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ قال مجاهد وقتادة: شَكٌّ منه. وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به، واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل؛ ولهذا قال: ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ أي: أُنزل إليك لتنذر به الكافرين ﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ .

الآية (3-4): ثم قال تعالى مخاطبًا للعالَم: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من ربِّ كلّ شيء ومليكه، ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره. ﴿ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ كقوله: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وقوله: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ [الأنعام:116]، وقوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].

﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خِزْيَ الدنيا موصولًا بذُلِّ الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45]. وقال تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:58]. وقوله: ﴿ فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ أي: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته ﴿ بَيَاتًا أي: ليلًا، ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ من القيلولة، وهي: الاستراحة وسط النهار. وكلا الوقتين وقت غَفْلة ولَـهْو؛ كما قال: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿٩٧ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف:97-98].

الآية (5-6): ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴿١١ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴿١٢ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴿١٣ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿١٤ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [الأنبياء:11-15].

قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالةُ الواضحةُ على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله . ثم روى عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : «ما هَلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم» [رواه أحمد وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط]. قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . قوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ الآية، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65]؛ فالرَّبُّ تبارك وتعالى يوم القيامة يسأل الأمم عما أجابوا رسله فيما أرسَل به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ رسالاته. ولهذا قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ قال: عما بلّغوا.

الآية (7): قال ابن عباس في قوله: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ : يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون، يعني: أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا، من قليل وكثير، وجليل وحَقِير؛ لأنه تعالى شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].

الآية (8-9): يقول تعالى: ﴿ وَالْوَزْنُ أي: للأعمال يوم القيامة ﴿ الْحَقُّ أي: لا يظلم تعالى أحدًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]. والذي يوضع في الميزان يوم القيامة، قيل: الأعمال وإن كانت أعراضًا، إلا أن الله يقلبها أجسامًا. وقيل: يوزن كتاب الأعمال، وقيل: يوزن صاحب العمل، وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا؛ فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها.

الآية (10): يقول تعالى ممتنًا على عبيده من أنه جَعَل الأرض قرارًا، وجعل لها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح منافعها، وسَخَّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسبابًا يتَّجِرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر، كما قال: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34].

الآية (11): ينبّه تعالى بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عداوة عدوهم إبليس، وما هو مُنْطَوٍ عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم، ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه. وهذا كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴿٢٨ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحِجر:28-29]. وذلك أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام بيده من طين لازب، وصوّره بشرًا سويًا، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيمًا لشأن الرب تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا، إلا إبليس لم يكن من الساجدين. وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير: أن المراد بذلك كله آدم عليه السلام، وإنما قيل ذلك بالجمع؛ لأنه أبو البشر.