الآية (1-4): ﴿ حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ يعني: القرآن مُنزل من الرحمن الرحيم؛ كقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ [النحل:102]، وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء:192-194].
﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: بُيّنت معانيه وأُحكمت أحكامه، ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ أي: في حال كونه لفظًا عربيًّا، بيّنًا واضحًا، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة؛ كقوله: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود:1] أي: هو معجز من حيث لفظه ومعناه ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت:42]. ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: إنما يعرف هذا البيانَ والوضوحَ العلماءُ الراسخون. ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ أي: تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين. ﴿ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ أي: أكثر قريش، فهم لا يفهمون منه شيئًا مع بيانه ووضوحه.
الآية (5): ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ﴾ أي: في غُلُف مغطّاة ﴿ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ ﴾ أي: صمم عما جئتنا به ﴿ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ فلا يصل إلينا شيء مما تقول، ﴿ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ أي: اعمل أنت على طريقتك، ونحن على طريقتنا لا نتابعك. عن محمد بن كعب القُرَظي قال: حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة...جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي... إن كنت إنما تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا أموالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئيًّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه...حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال:...فاستمع مني: ﴿ حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾. ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه.
الآية (6): ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين: ﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد، ﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾ أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل، ﴿ وَاسْتَغْفِرُوهُ ﴾ أي: لسالف الذنوب، ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: دمار لهم وهلاك عليهم.
الآية (7-8): ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ قال ابن عباس: يعني: الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وهذا كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس:9-10]. والمراد بالزكاة ههنا: طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك. وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام، وتكون سببًا لزيادته وبركته وكثرة نفعه، وتوفيقًا إلى استعماله في الطاعات. وقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم. وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير. وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، وهذه الآية مكية، اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الزكاة الصدقة كان مأمورًا به في ابتداء البعثة؛ كقوله: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ [الأنعام:141]، فأما الزكاة ذات النُّصب والمقادير فإنما بُيِّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ قال مجاهد: لا مقطوع ولا مجبوب؛ كقوله: ﴿ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾ [الكهف:3]، وكقوله تعالى ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود:108].
الآية (9-10): هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقدر لكل شيء، فقال: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ﴾ أي: نُظَراء وأمثالًا تعبدونها معه، ﴿ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم. وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ [الأعراف: 54]، ففصل ههنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولا لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس، ثم بعده بالسقف؛ كما قال: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ الآية [البقرة: 29].
فأما قوله: ﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا ٢٧ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ٢٨ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ٢٩ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا ٣٠ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ٣١ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ٣٢ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ [النازعات: 27-33] ففي هذه الآية أن دحى الأرض كان بعد خلق السماء، فالدحي هو مفسر بقوله: ﱡ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾، وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص، فقوله: ﴿ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ يعني: يوم الأحد ويوم الاثنين، ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ أي: جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس، ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ﴾ وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تُزرع وتُغرس، يعني: يوم الثلاثاء والأربعاء، فهُما مع اليومين السابقين أربعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه. وقال مجاهد وعكرمة في قوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ﴾: جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها. وقال ابن عباس في قوله: ﴿ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك. وقال ابن زيد: أي: على وفق مراد من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن الله قدّر له ما هو محتاج إليه.
الآية (11): ﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ وهو: بخار الماء المتصاعد منه حين خُلقت الأرض، ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ أي: استجيبا لأمري، وانفعلا لفعلي، طائعتين أو مكرهتين. قال ابن عباس: قال الله تعالى للسموات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي. وقال للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك. فقالتا: ﴿ أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾. واختاره ابن جرير. ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ أي: بل نستجيب لك مطيعين بما فينا، مما تريد خلقه من الملائكة والإنس والجن جميعًا مطيعين لك. حكاه ابن جرير عن بعض أهل العربية، قال: وقيل: تنزيلًا لهن معاملة من يعقل بكلامهما.