حجم الخط:

الآيات (1-12)

الآية (1-8): تقدَّم الكلام على الحروف المقطعة.

وقوله: ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ [سبب النزول]: قال الضحاك: لَـمَّا أنزل الله القرآن على رسوله ، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى! فأنزل الله تعالى: ﴿ طه ﴿١ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴿٢ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ .

فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا؛ كما ثَبَتَ عن معاوية قال: قال رسول الله : «من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [متفق عليه].

وقال قتادة: ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ : لا، والله ما جعله شقاءً، ولكن جعله رحمةً ونورًا، ودليلًا إلى الجنة. ﴿ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ : إن الله أَنزَل كتابه، وبَعَثَ رسوله رحمةً رَحِمَ بها عباده، ليَتَذَكَّر ذاكرٌ، وينتفع رجل بما سَمِع من كتاب الله، وهو ذِكْر أَنزَل الله فيه حلاله وحرامه. ﴿ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد تنزيل من ربِّك ربِّ كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العُلى في ارتفاعها ولطافتها.

وقوله: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ تقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأعراف، بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن الـمَسْلَك الأسلم في ذلك طريقة السلف: إِمْرَار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تَكْيِيفٍ ولا تَحْرِيفٍ، ولا تَشْبِيهٍ، ولا تَعْطِيلٍ، ولا تَمْثِيلٍ.

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ أي: الجميع ملكه وفي قبضته، وتحت تصريفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه، لا إله سواه، ولا ربَّ غيره. وقوله: ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى أي: أنزل هذا القرآنَ الذي خَلَق الأرض والسموات العُلَى، الذي يَعلَم السِّرَّ وأخفى. وقال الضحاك: ﴿ السِّرَّ : ما تُحَدِّثُ به نفسك، ﴿ وَأَخْفَى : ما لم تُحَدِّثْ به نفسك بعد. وقال سعيد بن جبير: أنت تعلم ما تُسِرُّ اليوم، ولا تعلم ما تُسِرُّ غدًا، والله يعلم ما تُسِرُّ اليوم، وما تُسِرُّ غدًا. وقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ أي: الذي أنزَل القرآن عليك هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العُلى.

الآية (9-10): من ههنا شَرَعَ تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجَل الذي كان بينه وبين صِهْره في رعاية الغنم، وسار بأهله، قيل: قاصدًا بلاد مصـر، بعدما طالت الغَيْبَة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته فأَضَلَّ الطريق، وكانت ليلةً شاتيةً، ونَزَلَ مَنزِلًا بين شعاب وجبال، في بَرد وشتاء، وسحاب وظلام وضَبَاب، وجَعَل يَقْدَحُ بِزَنْدٍ معه ليُوريَ نارًا، كما جَرَتْ له العادة به، فجَعَلَ لا يَقْدَحُ شيئًا، ولا يَخرُج منه شَرَر ولا شيء. فبينا هو كذلك، إذ آنس من جانب الطور نارًا، أي: ظَهَرَت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يُبَشِّرُهُم: ﴿ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أي: شهاب من نار. وفي الآية الأخرى: ﴿ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [القصص:29]، وهي: الجمر الذي معه لَـهَب، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص:29]، دَلَّ على وجود البرد، وقوله: ﴿ بِقَبَسٍ دَلَّ على وجود الظلام. وقوله: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى أي: من يهديني الطريق، دَلَّ على أنه قد تَاهَ عن الطريق، كما قال ابن عباس في قوله: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى قال: من يهديني إلى الطريق. وكانوا شَاتِينَ وضَلُّوا الطريق، فلمَّا رأى النار قال: إن لم أجد أحدًا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار تُوقِدُون بها.

الآية (11-12): ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا أي: النار واقترب منها، ﴿ نُودِيَ يَا مُوسَىٰ وفي الآية الأخرى: ﴿ نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ [القصص:30]، وقال ههنا ﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي: الذي يكلِّمُك ويُخاطِبُك، ﴿ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال سعيد بن جبير: كما يُؤْمَرُ الرجل أن يَخلَعَ نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة. وقيل: لِيَطَأَ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل. وقيل: غير ذلك، والله أعلم. وقوله: ﴿ طُوًى قال ابن عباس: هو اسم للوادي. وكذا قال غير واحد، فعلى هذا يكون عطف بيان؛ كقوله: ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات:16].