حجم الخط:

الآيات (1-12)

الآية (1-5): قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. ﴿ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ أي: المحكم الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42]. ﴿ إِنَّكَ أي: يا محمد ﴿ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: على منهج ودين قويم، وشرع مستقيم ﴿ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أي: هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئتَ به تنزيلٌ من رب العزة، الرحيم بعباده المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٢ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى:52-53].

الآية (6-7): ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ يعني بهم العرب؛ فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذِكرُهم وحدهم لا ينفي من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم. ﴿ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن الله قد حتَّم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون ﴿ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بالله، ولا يصدقون رسله.

الآية (8): يقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جُعِل في عنقه غُل، فجَمَع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسُه، فصار مُقمَحًا؛ ولهذا قال: ﴿ فَهُمْ مُقْمَحُونَ والمقمح: هو الرافع رأسه. واكتفى بذكر الغُلِّ في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، والغُلّ إنما يُعرف فيما جَمَع اليدين مع العنق. قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ [الإسراء:29] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير. وقال مجاهد: رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.

الآية (9): قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا قال مجاهد: عن الحق. ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات. قوله: ﴿ فَأَغْشَيْنَاهُمْ أي: أغشينا أبصارهم عن الحق ﴿ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يَخلُصون إليه، وقرأ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:96-97] ثم قال: من منعه الله لا يستطيع.

الآية (10-11): قوله: ﴿ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أي: قد ختم الله عليهم بالضلالة، فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:96-97]. قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر، وهو القرآن العظيم، ﴿ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ أي: حيث لا يراه أحد إلا الله، يعلم أن الله مطلع عليه، وعالم بما يفعله ﴿ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ أي: لذنوبه ﴿ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ أي: كبير واسع حسن جميل؛ كما قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12].

الآية (12): قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق؛ كما قال بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد:17]. قوله: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا أي: من الأعمال. وفي قوله: ﴿ وَآثَارَهُمْ قولان: أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر؛ كقوله : «إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده» [رواه مسلم]. والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية. قال مجاهد: ﴿ مَا قَدَّمُوا : أعمالهم ﴿ وَآثَارَهُمْ : خُطاهم بأرجلهم. قال قتادة: لو كان الله تعالى مُغْفِلًا شيئًا من شأنك يا ابن آدم، أغفل ما تُعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله فليفعل.

عن جابر بن عبد الله قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ، فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد». قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال: «يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم» رواه مسلم. وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى؛ فإنه إذا كانت هذه الآثار تُكتَب، فلأن تُكْتبَ تلك التي فيها قُدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم. ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين ههنا هو أم الكتاب.