الآية (1-6): قد تقدم الكلام في «سورة البقرة» على الحروف المقطعة في أوائل السور.
وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ﴾ أي: هذه آياتُ ﴿ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ أي: بَيِّن واضح، ﴿ هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: إنما تَحصُل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتَّبَعَه وصَدَّقَه، وعَمِل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وأيقَنَ بالدار الآخرة والبَعْث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خَيرها وشَرّها، والجنة والنار، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ ﴾ [فصلت:44]. وقال: ﴿ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴾ [مريم:97]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ أي: يكذِّبون بها، ويستبعدون وقوعها، ﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾ أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه، ومَدَدْنا لهم في غَيِّهم فهم يَتِيهُون في ضَلَالهم. وكان هذا جزاءً على ما كَذَّبوا به من الدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [الأنعام:110].
﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
﴿ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴾ ليس يَخْسَرُ أَنْفُسَهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر.
﴿ وَإِنَّكَ ﴾ يا محمد! ﴿ لَتُلَقَّى ﴾ قال قتادة: أي: لَـتَأْخُذ ﴿ الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ ﴾ أي: من عند ﴿ حَكِيمٍ ﴾ في أوامره ونواهيه، ﴿ عَلِيمٍ ﴾ بالأمور جَلِيلها وحَقِيرها، فخَبَرُه هو الصِّدْق الـمَحْض، وحُكْمه هو العَدْل التَّام؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾ [الأنعام:115].
الآية (7-13): يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ مُذَكِّرًا له ما كان من أَمْرِ موسى عليه السلام، كيف اصطفاه الله وكَلَّمَه، وناجاه وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابْتَعَثَه إلى فرعون ومَلَئِه، فجَحَدُوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ ﴾ أي: اذكر حين سار موسى بأهله، فأَضَلَّ الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنـَـسَ من جانب الطور نارًا، أي: رأى نارًا تأَجَّجُ وَتَضْطَرم، فقال ﴿ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ﴾ أي: عن الطريق، ﴿ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ أي: تَستَدْفِئُون به. وكان كما قال؛ فإنه رَجَعَ منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورًا عظيمًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ أي: فلمَّا أتاها رأى منظرًا هائلًا عظيمًا؛ حيث انتهى إليها والنار تَضْطَرِمُ في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا تَوَقُّدًا، ولا تَزْدَاد الشجرة إلا خُضْرَةً ونَضْرَةً، ثم رَفَعَ رأسه فإذا نورها مُتَّصِل بعَنَان السماء. قال ابن عباس وغيره: لم تَكُن نارًا، إنما كانت نُورًا يَتَوَهَّج. وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين. فوَقَفَ موسى مُتَعَجِّبًا ممَّا رأى.
﴿ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ قال ابن عباس: تَقَدَّس.
﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ أي: من الملائكة. قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد ابن جبير. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْط ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إليه عَمَل الليل قبل النهار، وعَمَل النهار قبل الليل، وحِجَابه النور -أو النار- لو كَشَفَها لأَحرَقَت سُبُحَات وجهه كلَّ شيء أَدْرَكَه بَصَرُه». ثم قرأ أبو عبيدة: ﴿ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ [رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني، وأصله في مسلم].
وقوله: ﴿ وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: الذي يفعل ما يشاء ولا يُشبِه شيئًا من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا يَكتَنِفُه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصَّمَد، الـمُنَزَّه عن مماثلة الـمُحْدَثَات.
وقوله: ﴿ يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ ﴾ أَعْلَمَه أن الذي يُخَاطِبه ويُنَاجِيه هو رَبُّه الله ﴿ الْعَزِيزُ ﴾ الذي عَزَّ كلَّ شيء وقَهَرَه وغَلَبَه، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في أفعاله وأقواله.
ثم أمره أن يُلْقِيَ عَصَاه من يده؛ ليُظْهِر له دليلًا واضِحًا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء. فلمَّا ألقَى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حَيَّةً عظيمةً هائلةً في غاية الكِبَر، وسُرعَة الحركة مع ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ والجانُّ: ضَرْب من الـحَيَّات، أَسْرَعُهُ حَرَكَةً، وأَكْثَرُه اضطرابًا.
فلمَّا عاين موسى ذلك ﴿ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ أي: لم يَلْتَفِتْ من شدة فَرَقِه، ﴿ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ﴾ أي: لا تَخَفْ ممَّا ترى؛ فإني أُرِيد أن أصطفيك رسولًا، وأجعَلَك نبيًّا وَجِيهًا.
وقوله: ﴿ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هذا استثناء منقطع، وفيه بِشَارة عظيمة للبَشَرِ؛ وذلك أن من كان على عَمَل شيء ثُم أَقْلَع عنه، ورَجَع وأناب، فإن الله يَتُوب عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ﴾ [طه:82]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء:110] والآيات في هذا كثيرة جدًا.
وقوله: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ﴾: هذه آيةٌ أخرى، ودليلٌ باهرٌ على قدرة الله الفاعل المختار، وصِدْق من جَعَل له معجزةً؛ وذلك أن الله تعالى أَمَرَه أن يُدخِل يَدَه في جَيْب دِرْعِه، فإذا أَدْخَلَها وأَخْرَجَها خَرَجَت بيضاء ساطعةً، كأنها قِطْعَةُ قَمَر، لها لَـمَعَانٌ يَتَلألأ كالبرق الخاطف.
وقوله: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ أي: هاتان ثنتان من تِسع آيات أؤيِّدك بهن، وأجعَلُهن برهانًا لك إلى فرعون وقومه ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾.
﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ﴾ أي: بيّنةً واضحةً ظاهرةً. ﴿ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ وأرادوا معارضته بسِحْرِهم فغُلِبُوا وانقلبوا صاغرين.