الآية (1-3): أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة «البقرة». ﴿ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد. قال الضحاك: ﴿ ذِي الذِّكْرِ ﴾ كقوله: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ [الأنبياء:10] أي: تذكيركم. واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس: ﴿ ذِي الذِّكْرِ ﴾ ذي الشرف، أي: ذي الشأن والمكانة. ولا منافاة بين القولين؛ فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار. ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿ فِي عِزَّةٍ ﴾ أي: استكبار عنه وحمية، ﴿ وَشِقَاقٍ ﴾ أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة. ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ﴾ أي: من أمة مكذبة، ﴿ فَنَادَوْا ﴾ أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله. وليس ذلك بِمُجْدٍ عنهم شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ [الأنبياء:12] أي: يهربون، ﴿ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء:13].
﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ عن ابن عباس: ليس بحين مغاث. وقال محمد ابن كعب: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا[1] للتوبة حين تولت الدنيا عنهم. وقال مجاهد: ليس بحين فرار ولا إجابة. ﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.
الآية (4-8): ﴿ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ﴾ أي: بشر مثلهم ﴿ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ﴾ أي: أزَعَم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟! أنكر المشركون ذلك وتعجبوا من ترك الشرك بالله؛ فإنهم كانوا قد تلقّوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأُشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ ﴾ وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿ امْشُوا ﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿ وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ﴾، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد. ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع، ولسنا نجيبه إليه.
[سبب النزول]: عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش ... فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ...، فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه فجاء النبي ﷺ ... فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم؟ ... وتكلم رسول الله ﷺ فقال: «يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة! يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية». ففزعوا لكلمته ولقوله، وقالوا: كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرًا؛ فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ فقال: «لا إله إلا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿ بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ﴾ [رواه ابن جرير، ولأحمد نحوه، وصحح إسناده أحمد شاكر].
﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ﴾ أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة. قال مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش. وقال ابن عباس: يعني: النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقًّا أخبرَتْنا به النصارى. ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ﴾ قال مجاهد وقتادة: كذب. وقال ابن عباس: تخرُّص. ﴿ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ﴾ يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم؛ ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم، في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال: ﴿ بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذابَ الله ونقمته، سيعلمون غِبَّ ما قالوا، وما كذّبوا به، يوم يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعًّا.
الآية (9-11): ﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾ أي: العزيز الذي لا يُرام جَنابُه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد. ﴿ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ ﴾ أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس: يعني طُرق السماء. ﴿ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ ﴾ أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيُهزمون ويُغلبون ويُكبَتُون، ﴿ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [المجادلة:5] من الأحزاب المكذبين، وهذه كقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ٤٤ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر:44، 45].
الآية (12-16): يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء القرون الماضية، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ ﴾ أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة، وأكثر أموالًا وأولادًا، فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر. ﴿ وَمَا يَنْظُرُ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ﴾ أي: ما ﴿ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ [محمد:18]، أي: فقد اقتربَت ودَنَتْ وأزِفَت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع، إلا من استثنى الله عز وجل. ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب؛ فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس: سألوا تعجيل العذاب، زاد قتادة: كما قالوا: ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال:32]. وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة؛ إن كانت موجودة أن يلقوا ذاك في الدنيا. وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا. وهذا الذي قاله جيد، والله أعلم.