حجم الخط:

الآيات (1-16)

الآية (1-3): أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة «البقرة». ﴿ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد. قال الضحاك: ﴿ ذِي الذِّكْرِ كقوله: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الأنبياء:10] أي: تذكيركم. واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس: ﴿ ذِي الذِّكْرِ ذي الشرف، أي: ذي الشأن والمكانة. ولا منافاة بين القولين؛ فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار. ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿ فِي عِزَّةٍ أي: استكبار عنه وحمية، ﴿ وَشِقَاقٍ أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة. ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أي: من أمة مكذبة، ﴿ فَنَادَوْا أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله. وليس ذلك بِمُجْدٍ عنهم شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ [الأنبياء:12] أي: يهربون، ﴿ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ [الأنبياء:13].

﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ عن ابن عباس: ليس بحين مغاث. وقال محمد ابن كعب: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا[1] للتوبة حين تولت الدنيا عنهم. وقال مجاهد: ليس بحين فرار ولا إجابة. ﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.

الآية (4-8): ﴿ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ أي: بشر مثلهم ﴿ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا أي: أزَعَم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟! أنكر المشركون ذلك وتعجبوا من ترك الشرك بالله؛ فإنهم كانوا قد تلقّوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأُشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿ امْشُوا أي: استمروا على دينكم ﴿ وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد. ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع، ولسنا نجيبه إليه.

[سبب النزول]: عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش ... فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ...، فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه فجاء النبي ... فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم؟ ... وتكلم رسول الله فقال: «يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة! يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية». ففزعوا لكلمته ولقوله، وقالوا: كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرًا؛ فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ فقال: «لا إله إلا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿ بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [رواه ابن جرير، ولأحمد نحوه، وصحح إسناده أحمد شاكر].

﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة. قال مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش. وقال ابن عباس: يعني: النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقًّا أخبرَتْنا به النصارى. ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ قال مجاهد وقتادة: كذب. وقال ابن عباس: تخرُّص. ﴿ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم؛ ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم، في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال: ﴿ بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذابَ الله ونقمته، سيعلمون غِبَّ ما قالوا، وما كذّبوا به، يوم يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعًّا.

الآية (9-11): ﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أي: العزيز الذي لا يُرام جَنابُه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد. ﴿ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس: يعني طُرق السماء. ﴿ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيُهزمون ويُغلبون ويُكبَتُون، ﴿ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة:5] من الأحزاب المكذبين، وهذه كقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ٤٤ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:44، 45].

الآية (12-16): يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء القرون الماضية، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة، وأكثر أموالًا وأولادًا، فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر. ﴿ وَمَا يَنْظُرُ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ أي: ما ﴿ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18]، أي: فقد اقتربَت ودَنَتْ وأزِفَت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع، إلا من استثنى الله عز وجل. ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب؛ فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس: سألوا تعجيل العذاب، زاد قتادة: كما قالوا: ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]. وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة؛ إن كانت موجودة أن يلقوا ذاك في الدنيا. وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا. وهذا الذي قاله جيد، والله أعلم.