الآية (1-3): عن أبي هُرَيرة: ﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ﴾ قال: الملائكة. ورُوي عن مسروق ومجاهد - في إحدى الروايات - والسّدي والربيع بن أنس مثلُ ذلك. ورُويَ عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل. وفي رواية عنه: هي الملائكة. وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات أنها الملائكة. قال ابن مسعود عن ﴿ المُرْسَلاتِ ﲂ ﴾ قال: الريح. وكذا قال في ﴿ العَاصِفَاتِ ﲅ ﴾ ﴿ ﲇ ﲈ ﴾. وكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية عنه. وعن أبي صالح: أن ﴿ النَّاشِراتِ ﲈ ﴾: المطر. والأظهر أن المرسلات هي الرياح؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ [الحجر:22]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ [الأعراف:57]، وهكذا العاصفات هي: الرياح، يقال: عصفت الريح إذا هَبَّت بتصويت. وكذا الناشرات هي: الرياح التي تنشـر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب عز وجل.
الآية (4-7): ﴿ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ﴿٤﴾ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾ يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد. ولا خلاف ههنا؛ فإنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغيّ، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيًا فيه إعذار إلى الخلق، وإنذارٌ لهم عقابَ الله إن خالفوا أمره. ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴾ هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي: ما وُعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، إن هذا كله ﴿ لَوَاقِعٌ ﴾ أي: لكائن لا محالة.
الآية (8-11): ﴿ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ أي: ذهب ضوؤها؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ [التكوير:2]، وكقوله: ﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ [الانفطار:2]. ﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ﴾ أي: انفطرت وانشقت، وتدلَّت أرجاؤها، وَوَهَت أطرافها.
﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴾ أي: ذُهِب بها، فلا يبقى لها عين ولا أثر؛ كقوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴿١٠٥﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾ لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴾ [طه:105-107]. ﴿ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ قال ابن عباس: جُمعت. وقال ابن زيد: وهذه كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ [المائدة:109]. وقال مجاهد: ﴿ أُقِّتَتْ ﴾ أُجّلت.
الآية (12-19): ﴿ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴿١٢﴾ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿١٣﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿١٤﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ يقول تعالى: لأي يوم أُجّلت الرسل وأُرجئ أمرها؟! حتى تقوم الساعة؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴿٤٧﴾ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [إبراهيم:47-48]. وهو يوم الفصل، كما قال: ﴿ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴾. ثم قال معظمًا لشأنه: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿١٤﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أي: ويل لهم من عذاب الله غدًا. ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ﴾ يعني: من المكذبين للرسل المخالفين لما جاؤوهم به، ﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ﴾ أي: ممن أشبههم؛ ولهذا قال: ﴿ كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿١٨﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾.