الآية (1-13): يُخْبِرُ تعالى عن فضله ورحمته بخلقه: أنه أَنزَل على عباده القرآن، ويَسَّرَ حِفظه وفَهمَه، فقال: ﴿ الرَّحْمَٰنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ قال الحسن: يعني: النُّطْق. وقال الضحاك: الخير والشر. وقول الحسن أحسن وأقوى؛ لأن السياق في تعليمه تعالى القرآنَ، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتَيْسِير النُّطْق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها، على اختلاف مخارجها وأنواعها. ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ أي: يَجْرِيَان مُتَعَاقِبَيْن بحساب مُقَنَّن لا يختلف ولا يضطرب. وقوله: ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ قال ابن جرير: اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿ وَالنَّجْمُ ﴾ بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فعن ابن عباس قال: النجم ما انْبَسَطَ على وجه الأرض من النبات. وكذا قال سعيد بن جبير والسُّدِّي وسفيان الثوري. وقد اختاره ابن جرير. وقال مجاهد: النجم: الذي في السماء. وكذا قال الحسن وقتادة. وهذا القول هو الأظهر والله أعلم؛ لقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ الآية [الحج: 18].
﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ يعني: العدل ﴿ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴾ أي: خَلَق السموات والأرض بالحقِّ والعَدْل، لتكون الأشياء كلُّها بالحقِّ والعدل؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ أي: لا تبخسوا الوزن، بل زِنوا بالحق والقسط. وقوله: ﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾ أي: كما رَفَع السماء، وَضَع الأرض ومَهَّدَهَا، وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقر لِـمَا على وجهها من الأنام، وهم: الخلائق المختلفة أنواعُهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم، في سائر أقطارها وأرجائها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام: الخلق.
﴿ فِيهَا فَاكِهَةٌ ﴾ أي: مختلفة الألوان والطعوم والروائح، ﴿ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ﴾ أَفْرَدَه بالذِّكْر لشَرَفِه ونفعه رَطْبًا ويَابِسًا. والأكمام: قال ابن عباس: هي أوعية الطَّلْع. وهكذا قال غير واحد من المفسرين، وهو الذي يطلع فيه القِنْوُ ثُمَّ يَنْشَقُّ عن العنقود، فيكون بُسْرًا ثم رُطَبًا، ثم ينضج ويتناهى يَنْعُه واستواؤه. وقيل: الأكمام: رُفَاتها، وهو: اللِّيف الذي على عُنُق النخلة. وهو قول الحسن وقتادة.
﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ﴾ عن ابن عباس: ﴿ الْعَصْفِ ﴾: التبن. وعنه: وَرَقُ الزَّرع الأخضر الذي قُطِع رؤوسه، فهو يُسَمَّى العَصْف إذا يَبِسَ. وكذا قال قتادة والضحاك وأبو مالك: عَصْفُه: تِبْنُهُ. وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿ وَالرَّيْحَانُ ﴾ يعني: الوَرَق. وقال الحسن: هو ريحانكم هذا. وعن ابن عباس: خضرة الزرع. ومعنى هذا -والله أعلم- أن الـحَبّ كالقمح والشعير ونحوهما له في حال نباته عَصْف -وهو: ما على السُّنْبُلة- وريحان -وهو: الورق الملتف على ساقها-. وقيل: العَصْف: الوَرَقُ أَوَّلَ ما ينبت الزرع بَقْلًا. والريحان: الورق، يعني: إذا أَدْجَنَ وانعقد فيه الـحَبُّ. وقوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا ﴾ أي: فبأي الآلاء -يا معشر الثقلين، من الإنس والجن- ﴿ تُكَذِّبَانِ ﴾؟! قاله مجاهد وغير واحد. ويَدُلُّ عليه السياق بعده، أي: النِّعَمُ ظاهرةٌ عليكم وأنتم مَغْمُورون بها، لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون: «اللهم، ولا بشيء من آلائك -ربَّنا- نكذِّب، فَلَكَ الحمد».
الآية (14-16): يذكر تعالى خَلْقَهُ الإنسانَ من صلصال كالفخار، وخلقه الجانَّ من مارج من نار، وهو: طرف لَـهَبها. قاله الضحاك عن ابن عباس. وبه يقول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد. وقال ابن عباس: ﴿ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ﴾: من لهب النار، من أَحْسَنِها. وقال: من خالص النار. وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «خُلِقَت الـملائكةُ من نور، وخُلِقَ الـجَانُّ من مَارِج من نار، وخُلِقَ آدَم مِـمَّا وُصِفَ لكم» [رواه مسلم].
الآية (17-18): ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴾ يعني: مشرقي الصيف والشتاء، ومغربي الصيف والشتاء. وقال: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ﴾ [المعارج:40]، وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقُّلِها في كل يوم، وبروزها منه إلى الناس. ولَـمَّا كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟!