حجم الخط:

الآيات (1-18)

الآية (1): عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر: أنه سمع النبي يحدث عن فترة الوحي[1]: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجُئِثْتُ[2] منه حتى هَوَيتُ إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زمّلوني زمّلوني. فزملوني، فأنزل الله ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١ قُمْ فَأَنْذِرْ إلى: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ » [متفق عليه]. وهذا السياق يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء»، وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]. ثم إنه حصل فترة ثم نزل الملك بعد هذا.

الآية (2-10): ﴿ قُمْ فَأَنْذِرْ أي: شمّر عن ساق العزم، وأنذر الناس. وبهذا حصل الإرسال، كما حصل بالأول النبوة. ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي: عظّم. ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية قال: لا تلبسها على معصية ولا على غَدْرَة. وقال ابن جريج عن ابن عباس قال: في كلام العرب: نَقِي الثياب. وقال مجاهد: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ قال: نفسك، ليس ثيابه. وفي رواية عنه: عملك فأصلح. وقال قتادة: أي: طهرها من المعاصي. وقال العوفي عن ابن عباس: يعني: لا تك ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال محمد بن سيرين: أي: اغسلها بالماء. وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يطهر ثيابه. وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب؛ فإن العرب تطلق الثياب عليه. ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ قال ابن عباس: ﴿ وَالرُّجْزَ وهو الأصنام، فاهجر. وقال إبراهيم: أي: اترك المعصية. وعلى كل تقدير فلا يلزم تَلبُّسه بشيء من ذلك. ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها. وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. واختاره ابن جرير. وقال مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير. وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ عليه عوضًا من الدنيا. فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول. ﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل، قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر على عطيتك لله تعالى. ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿ النَّاقُورِ الصور. قال مجاهد: وهو كهيئة القرن. ﴿ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ أي: شديد، ﴿ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ أي: غير سهل عليهم.

الآية (11-17): يقول تعالى متوعدًا لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم الله، وبدلها كفرًا، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر. وقد عدَّد الله عليه نِعَمه حيث قال: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله ﴿ مَالًا مَمْدُودًا أي: واسعًا كثيرًا. وجعل له بنين شهودًا. قال مجاهد: لا يغيبون، أي: حضورًا عنده لا يسافرون بالتجارات، بل مَواليهم وأُجَراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويتَمَلَّى بهم. وهذا أبلغ في النعمة وهو إقامتهم عنده. ﴿ وَمَهَّدْتُ أي: مكّنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك. ﴿ ﰈﰉ أي: معاندًا، وهو الكفر على نعمه بعد العلم. قال الله: ﴿ قال ابن عباس: صَعُود: صخرة في جهنم عظيمة يُسحب عليها الكافر على وجهه. وقال السُّدي: صعودًا: صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها. وقال مجاهد: أي: مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابًا لا راحة فيه. واختاره ابن جرير.

الآية (18): ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ أي: إنما أرهقناه صعودًا، أي: قربناه من العذاب الشاق؛ لبعده عن الإيمان، لأنه فكر وقدر، أي: تَرَوَّى ماذا يقول في القرآن حين سُئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق من المقال، ﴿ وَقَدَّرَ أي: تروَّى.