الآية (1-2): عن ابن مسعود: إذا سمعت الله يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فأرْعِها سَمْعَك، فإنه خَيْرٌ يؤمر به، أو شَرٌّ يُنهى عنه. ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك؛ قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحِلف وغيره. وعن ابن عباس: يعني: ما أحلَّ الله وما حَرَّم، وما فَرَض وما حَدَّ في القرآن كلِّه، ولا تَغْدِروا ولا تَنْكُثُوا. ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ﴾ هي: الإبل، والبقر، والغنم. قاله الحسن وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب. ﴿ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك: الميتة والدم، ولحم الخنزير، وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه، والظاهر أن المراد بذلك قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ﴾ [المائدة:3]؛ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تَحْرُمُ بهذه العوارض؛ ولهذا قال: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ [المائدة:3] يعني: منها؛ فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقُه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: إلا ما سيُتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال. ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ قال بعضهم: هذا منصوب على الحال، والمراد من الأنعام: ما يعُمّ الإنسيّ من الإبل والبقر والغنم، وما يعمّ الوحشي كالظِّباء والبقر والحمُر، فاستثنى من الإنسي ما تقدَّم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام. وقيل المراد: أحللنا لكم الأنعام في جميع الأحوال فَحَرِّموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حَكَم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾. ثم قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: مناسك الحج. وقال مجاهد: الصفا والمروة والهَدْي والبُدن من شعائر الله. وقيل: شعائر الله: محارمه، أي: لا تُحِلُّوا مَحَارم الله التي حرَّمها تعالى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نَهَى الله عن تعاطيه فيه، من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم؛ كما قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 217] وقال: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]. وقال ابن عباس يعني: لا تستحلوا قتالًا فيه. واختاره ابن جرير أيضًا، وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخٌ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5] قالوا والمراد أشهر التسيير الأربعة[1]، قالوا: فلم يستثن شهرًا حرامًا من غيره. ﴿ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ ﴾ يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام؛ فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عمَّا عداها من الأنعام، ولِيُعْلَم أنها هَدْي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتَبْعَث من يراها على الإتيان بمثلها، وقال مقاتل بن حيان: ﴿ وَلَا الْقَلَائِدَ ﴾ فلا تستحلوا. ﴿ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، فلا تصدُّوه ولا تمنعوه ولا تُهيِّجوه. قال مجاهد، وعطاء، وقتادة، وغير واحد في قوله: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ ﴾: التجارة. ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ قال ابن عباس: يترضَّون اللهَ بحَجِّهم. ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ أي: إذا فَرَغْتم من إحرامكم وأَحلَلْتم منه، فقد أَبَحْنَا لكم ما كان مُحرَّمًا عليكم في حال الإحرام من الصيد. ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صَدُّوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتَقْتَصُّوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أَمَرَكم الله به من العدل؛ فإن العدل واجب على كل أحد في كل حال. والعدل به قامت السموات والأرض. والشنَآن هو: البُغض. قاله ابن عباس وغيره.
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات، وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم.