حجم الخط:

الآيات (1-2)

الآية (1-2): يقول تعالى حامدًا نفسه الكريمة على ما نَزَّلَه على رسوله الكريم من القرآن العظيم؛ كما قال تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ الآية [الكهف:1]. وقال ههنا: ﴿ تَبَارَكَ وهو تَفَاعُلٌ من البركة الـمُسْتَقِرَّة الدائمة الثابتة.

﴿ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ نَزَّل: فَعَّل، من التَّكَرُّر والتَّكَثُّرِ؛ لأن الكتب الـمُتَقَدِّمَة كانت تَنْزِل جملةً واحدةً، والقرآن نَزَل مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا مُفَصَّلًا، آياتٍ بعد آياتٍ، وأحكامًا بعد أحكام، وسُورًا بعد سُوَر. وهذا أشدُّ وأَبلَغ، وأشدُّ اعتناءً بمن أُنزِلَ عليه، كما قال في أثناء هذه السورة: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان:32].

ولهذا سماه ههنا الفرقان؛ لأنه يَفْرِقُ بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغيّ والرشاد، والحلال والحرام.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ عَبْدِهِ هذه صفة مَدْح وثَنَاء؛ لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وَصَفَه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإسراء، فقال: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، وكما وَصَفَهُ بذلك في مقام الدعوة إليه: ﴿ﱡﭐ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]، وكذلك وَصَفَه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الـمَلَك إليه، فقال: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ .

﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا أي: إنما خَصَّه بهذا الكتاب العظيم الـمُبِين الـمُفَصَّل الـمُحْكَم الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، الذي جَعَلَه فرقانًا عظيمًا، إنما خَصَّه به ليَخُصَّه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء، كما قال : «بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود» [رواه مسلم]. وقال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]؛ أي: الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض، الذي يقول للشيء كُنْ فيكون. وهو الذي يُحيي ويُميت، وهكذا قال ههنا: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، فَنَزَّه نفسه عن الوَلَد، وعن الشريك. ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا أي: كل شيء ممَّا سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء ورَبُّه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت قَهْره، وتدبيره وتقديره.