الآية (1): قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه. ومنهم من فسَّرها، واختلف هؤلاء في معناها: فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور. وقال مجاهد: ﴿ الم ﴾ و﴿ حم ﴾ و﴿ المص ﴾ و﴿ ص ﴾، فواتح افتتح الله بها القرآن. ولحظ بعضهم في هذا المقام كلامًا، فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثًا ولا سدى؛ ومن قال من الجهلة: إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأ كبيرًا، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا، وقلنا: ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ [آل عمران:7]. هذا مقام.
المقام الآخر: في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ماهي؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها. قال جمعٌ من المحققين: إنما ذُكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه من هذه الحروف التي يتخاطبون بها. [قال ابن كثير]: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة.
الآية (2): قال ابن عباس: ﴿ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ ﴾ أي: هذا الكتاب. و﴿ الْكِتَابُ ﴾: القرآن. ﴿ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ ﴾ والرّيب: الشك. ومعنى الكلام: أن هذا الكتاب -وهو القرآن- لا شك فيه أنه نزل من عند الله، كما قال تعالى: ﴿ الم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [السجدة: 1، 2]. وقال بعضهم: هذا خبر ومعناه النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه.
ومن القراء من يقف على قوله: ﴿ لَا رَيْبَ ﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ والوقف على قوله تعالى: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أولى؛ للآية التي ذكرنا، ولأنه يصير قوله: ﴿ هُدًى ﴾ صفة للقرآن؛ وذلك أبلغ من كون ﴿ فِيهِ ۛ هُدًى ﴾.
وخُصّت الهداية للمتَّقين كما قال: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ ﴾ [فصلت:44]؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار، وعن ابن عباس: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال قتادة: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ هم الذين نعتهم الله بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾. واختار ابن جرير: أن الآية تَعُمّ ذلك كله، وهو كما قال. ويطلق الهدى ويراد به ما يقرّ في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله عز وجل؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56] ويطلق ويراد به: بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52].
الآية (3): ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال ابن عباس: يصدّقون. وقال الزهري: الإيمان: العمل. [قال ابن كثير]: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة:61]، وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال؛ كقوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [الانشقاق:25]، فأما إذا استُعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. ومنهم من فسَّره بالخشية، كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ﴾ [الملك:12].
﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد. قال أبو العالية: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيبٌ كله.
وعن ابن عباس: ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ قال: بما جاء منه، يعني: مِنَ الله تعالى. وقال زيد بن أسلم: ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ بالقدَر.
﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ قال ابن عباس: إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.
وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها وسجودها. وقال ابن عباس: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ قال: زكاة أموالهم. قال الضحاك: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات. واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم: أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤَدّين، زكاةً كان ذلك أو نفقةَ مَنْ لَزِمَتْهُ نفقتُه، من أهلٍ أو عيالٍ وغيرهم، لأنّ الله عمّ وَصْفَهم ومَدْحَهُم بذلك، وكلٌ من الإنفاق والزكاة ممدوحٌ به محمودٌ عليه. وكثيراً ما يقرن الله بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم.
الآية (4): قال ابن عباس: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ أي: يصدّقون بما جئت به من الله، وما جاء به مَنْ قَبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجْحدون ما جاؤوهم به من ربهم. ﴿ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان. وإنما سُميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا.
الآية (5): يقول تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ ﴾ أي: المتّصفون بما تقدّم، وما يستلزمه الإيقان بالدار الآخرة من الاستعداد لها بعمل الصالحات وترك المحرمات ﴿ عَلَىٰ هُدًى ﴾ أي: نور وبيان وبصيرة من الله تعالى. ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
قال مجاهد: أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.
فهذه الآيات الأربع عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي، وكتابي من إنسي وجني.