حجم الخط:

الآيات (1-5)

الآية (1-5): عن ابن عباس قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذُكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله ، فقال رسول الله : «أما إنهم سيغلبون». فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا. فجعل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله فقال: «ألا جعلتها إلى دُون» أراه قال: «العشر». قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر. ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: ﴿ الم ﴿١ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ إلى قوله: ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [رواه الترمذي وغيره، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح]. وعن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم [متفق عليه]. قوله: ﴿ الم ﴿١ غُلِبَتِ الرُّومُ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم أبناء عم بني إسرائيل. وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة، وكان من مَلك الشام مع الجزيرة منهم يقال له: قيصر. كان آخرهم هرقل. فناوأه كسرى ملك الفرس، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده فقهره وكَسَره، ولم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية. فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه، ولم يقدر كسرى على فتح البلد لحصانتها. فلما طال الأمر دبّر قيصر مكيدة، فطلب من كسرى أن يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه. فأجابه إلى ذلك، وطلب منه أموالًا عظيمة. فطاوعه قيصر، وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته، ليسعى في تحصيل ذلك، فأطلق سراحه. فركب قيصر وسار مسرعًا حتى انتهى إلى بلاد فارس، فعاث في بلادهم قتلًا، حتى انتهى إلى المدائن، فقتل من بها وأخذ جميع حواصله وأمواله، وأسر نساءه وحريمه، وحلق رأس ولده، وركَّبه على حمار، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبتَ فخُذْه. فلما بلغ ذلك كسرى اشتد حنقه على البلد، فاشتد في حصارها بكل ممكن فلم يقدر على ذلك. وقدم قيصر وجنوده، ودخلوا القسطنطينية. وكان ذلك يومًا مشهودًا عند النصارى. فكان هذا مِن غَلَبِ الروم فارسَ، وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم. قوله: ﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي: من قبل ذلك ومن بعده. ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤ بِنَصْرِ اللَّهِ أي: للروم أصحاب قيصر ملك الشام، على فارس أصحاب كسرى، وهم المجوس، وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء، كابن عباس. وقال آخرون: بل كان نصرة الروم على فارس عام الحديبية؛ قاله عكرمة والزهري. والأمر في هذا سهل قريب، إلا أنه لما انتصرت فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس فرح المؤمنون بذلك؛ لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ الآية [المائدة:82]. قوله: ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: في انتصاره وانتقامه من أعدائه، ﴿ الرَّحِيمُ بعباده المؤمنين.