الآية (1-3): يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يُذكر، لحقارته وضعفه، فقال: ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾؟! ثم بين ذلك فقال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ﴾ أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء المختلط بعضه في بعض. قال ابن عباس: ﴿ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ﴾ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعدُ مِن طَوْر إلى طور، وحال إلى حال. ﴿ نَبْتَلِيهِ ﴾ أي: نختبره؛ كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك:2]. ﴿ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية. ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ﴾ أي: بيّنّاه له ووضحناه وبصَّرناه به؛ كقوله: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد:10]، أي: بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول الجمهور. ﴿ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ منصوب على الحال من «الهاء» في قوله: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ﴾ تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد؛ كما في الحديث الذي رواه مسلم، قال رسول الله ﷺ: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها، أو معتقها»[1].
الآية (4-5): يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللهيب والحريق في نار جهنم، كما قال: ﴿ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ [غافر:71-72]. ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ﴾ وقد عُلم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة.