الآية (1-2): ﴿ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: هذه براءة، أي: تَبَرُّؤٌ من الله ورسوله ﴿ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ اختلف المفسرون ههنا اختلافًا كثيرًا، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود الـمُطْلَقة غير المؤقتة، أو مَن له عهد دون أربعة أشهر، فيُكَمَّل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهدٌ مؤقَّت فأجَلُه إلى مدته مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ الآية [التوبة:4]. وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير، ورُوي عن غير واحد. وقال مجاهد: أهل العهد: خُزاعة، ومُدْلج، ومن كان له عهد أو غيرهم.
الآية (3): ﴿ وَأَذَانٌ ﴾ وإعلام ﴿ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ وتَقَدُّمٌ وإنذار إلى الناس ﴿ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ﴾: وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكثرها جمعًا ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ﴾ أي: بريء منهم أيضًا. ثم دعاهم إلى التوبة إليه فقال: ﴿ فَإِنْ تُبْتُمْ ﴾ أي: ممَّا أنتم فيه من الشرك والضلال ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي: استمررتم على ما أنتم عليه ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾، بل هو قادر عليكم، وأنتم في قبضته، وتحت قهره ومشيئته، ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: في الدنيا بالخزي والنَّكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال. عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحَجَّة في المُؤذِّنين، بَعَثَهم يوم النحر يُؤذِّنون بمنى: ألَّا يحُجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريان. ثم أَرْدَف النبيُّ ﷺ بعلي بن أبي طالب، فأمره أن يُؤَذِّن ببراءة، وألَّا يحُجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان [متفق عليه].
الآية (4): هذا استثناء من ضَرْبِ مدة التأجيل بأربعة أشهر، لمن له عَهْد مطلقٌ ليس بمؤقَّت، فأجله أربعة أشهر، يسيح في الأرض، يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقَّت، فأجله إلى مدته المضروبة التي عُوهِدَ عليها، وذلك بشرط ألَّا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدًا، أي: يُـمَالِئ عليهم مَن سواهم، فهذا الذي يُوَفَّى له بذمته وعهده إلى مدته؛ ولهذا حرَّض الله تعالى على الوفاء بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ أي: الـمُوفِين بعهدهم.
الآية (5): ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ﴾ الآية. اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحُرُم ههنا، ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ الآية [التوبة:36]، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس -في رواية عنه- وغيره: أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله: ﴿ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ [التوبة:2]، ثم قال: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ﴾ أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرَّمنا عليكم فيها قتالهم، وأجَّلناهم فيها؛ لأن عَوْدَ العهد على مذكور أولى من مُقدَّر. وقوله: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ أي: من الأرض. وهذا عامٌّ، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الـحَرَم بقوله: ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾ [البقرة:191].
وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ أي: وَأْسِرُوهُم، إن شئتم قتلًا، وإن شئتم أسرًا، ﴿ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ أي: لا تَكْتَفُوا بمجرَّد وِجْدَانِكُم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرَّصْد في طُرُقهم ومسالكهم حتى تُضَيِّقُوا عليهم الواسع، وتضطرُّوهم إلى القتل أو الإسلام؛ ولهذا قال: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. ولهذا اعتمد الصدِّيق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية وأمثالها؛ حيث حرَّمت قتالهم بشرط هذه الأفعال؛ وهي: الدخول في الإسلام، والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها؛ فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة، التي هي حق الله عز وجل، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين.
وهذه الآية الكريمة هي آية السيف. قال ابن عباس: لم يبقَ لأحد من المشركين عهد ولا ذمة، منذ نَزَلت (براءة) وانسلاخ أربعة أشهر، من يوم أُذِّنَ بـ(براءة) إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر.
الآية (6): ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم، ﴿ اسْتَجَارَكَ ﴾ أي: اسْتَأْمَنَك، فَأَجِبْه إلى طِلْبَتِه ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ أي: القرآن تقرؤه عليه وتَذْكُر له شيئًا من أمر الدين تُقِيمُ عليه به حجة الله، ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده. ومن هذا كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه، مسترشدًا أو في رسالة.