حجم الخط:

الآيات (1-6)

الآية (1-2): أما الحروف المقطَّعة في أوائل السور فقد تقدَّم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة. ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أي: هذه آيات القرآن المحكم المبين، وقال مجاهد: التوراة والإنجيل. وقال الحسن: التوراة والزبور. وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه.

وقوله: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا يقول تعالى مُنكِرًا على من تعجّب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر؛ كما أخبر تعالى عن القرون الماضية من قولهم: ﴿ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا [التغابن:6]، وقال هود وصالح لقومهما: ﴿ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ [الأعراف:63].

[سبب النزول]: قال ابن عباس: لَـمَّا بَعَث الله تعالى محمدًا رسولًا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِنْهُمْ . وقوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ اختلفوا فيه؛ فقال ابن عباس: سَبَقَت لهم السعادة في الذِّكر الأول. وقال: أجرًا حسنًا بما قَدَّموا. وقال مجاهد: ﴿ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ : الأعمال الصالحة: صلاتهم، وصومهم، وصدقتهم، وتسبيحهم. واختار ابن جرير قول مجاهد -أنها الأعمال الصالحة التي قدَّموها- قال: كما يُقال: «له قَدَمٌ في الإسلام». ومنه قول حسان رضي الله عنه:

لنا القَدَمُ العُليا إليك وخَلْفُنا * لِأوَّلِنا في طاعَة اللهِ تَابعُ

وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ أي: مع أنا بعثنا إليهم رسولًا منهم، رجلًا من جنسهم، بشيرًا ونذيرًا، قال الكافرون: إن هذا لساحر مبين أي: ظاهر، وهم الكاذبون في ذلك.

الآية (3): يخبر تعالى أنه ربُّ العالم جميعه، وأنه خَلَق السموات والأرض في ستة أيام -قيل: كهذه الأيام، وقيل: كل يوم كألف سنة ممَّا تَعدُّون- ثم استوى على العرش، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها. ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي: يُدَبِّر أمر الخلائق؛ ﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ:3]، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تُغلّطه المسائل، ولا يَتَبَرَّمُ بإلحاح الـمُلِحِّين، ولا يُلهِيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال والبحار والعمران والقفار، ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]. وقوله: ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ كقوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وكقوله تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ [النجم:26]، وقوله: ﴿ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23].

وقوله: ﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أي: أَفْرِدُوه بالعبادة وحده لا شريك له، ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أي: أيها المشركون في أمركم؛ تعبدون مع الله غيره، وأنتم تعلمون أنه المتفرِّد بالخلق؟! كقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، وقوله: ﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [المؤمنون:86-87]، وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها.

الآية (4): يخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة؛ لا يترك منهم أحدًا حتى يعيده كما بدأه. ثم ذَكَر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:27]. ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ أي: بالعدل والجزاء الأوفى، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ أي: بسبب كفرهم يُعذَّبون يوم القيامة بأنواع العقاب من: ﴿ سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴿٤٢ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [الواقعة:42-43]. ﴿ هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴿٥٧ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص:57-58]، ﴿ هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٤٣ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:43-44].

الآية (5-6): يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جِرْم الشمس ضياءً، وشعاع القمر نورًا، هذا فنٌّ وهذا فنٌّ آخر، ففاوَت بينهما لئلا يَشْتَبِها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدَّر القمر منازل؛ فأوَّلَ ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نُوره وجِرْمُه، حتى يَسْتَوْسِق ويكمل إبداره، ثم يَشرَع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]، وقال: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [الأنعام:96]. وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَقَدَّرَهُ أي: القمر ﴿ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ فبِالشمس تُعرف الأيام، وبِسَير القمر تُعرف الشهور والأعوام. ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي: لم يخلقه عبثًا، بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، ﴿ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ [1] أي: نبيِّن الحجج والأدلة ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وقوله: ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أي: تعاقُبهما إذا جاء هذا ذَهَب هذا، وإذا ذَهَب هذا جاء هذا؛ لا يتأخر عنه شيئًا.

وقوله: ﴿ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى؛ كما قال: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الآية [يوسف:105]، وقوله: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس:101]، وقال: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ [سبأ:9]، وقال: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران:190] أي العقول، وقال ههنا: ﴿ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ أي: عقابَ الله، وسخطَه، وعذابَه.