الآية (1): يُخبِر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوِّها مُعبِّرًا بصيغة الماضي الدالِّ على التحقيق والوقوع لا محالة.
وقوله: ﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ أي: قَرُبَ ما تَبَاعَدَ فلا تستعجلوه. يحتمل أن يعود الضمير على الله، ويحتمل أن يعود على العذاب، وكلاهما متلازم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [العنكبوت:53].
ثم إنه تعالى نَزَّهَ نفسه عن شِركِهم به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتَقَدَّس علوًّا كبيرًا، وهؤلاء هم المكذِّبون بالساعة، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾.
الآية (2): يقول تعالى: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ ﴾ أي: الوحي كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى:52].
وقوله: ﴿ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ وهم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ [غافر:15].
وقوله: ﴿ أَنْ أَنْذِرُوا ﴾ أي: ليُنْذِرُوا ﴿ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ﴾ أي: فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعَبَدَ غيري.
الآية (3-4): يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السموات، والعالم السفلي وهو الأرض بما حَوَت، وأن ذلك مخلوق بالحقِّ لا للعبث، بل ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم:31]. ثم نَزَّهَ نفسه عن شِرْك من عَبَد معه غيره، وهو الـمُسْتَقِلُّ بالخَلْق وحده لا شريك له؛ فلهذا يستحقُّ أن يُعبَد وحده لا شريك له. ثم نَبَّهَ على خَلق جنس الإنسان ﴿ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ أي: ضعيفة مَهِينَة، فلمَّا استقلَّ ودَرَج إذا هو يُخَاصِم ربَّه تعالى ويكذِّبه، ويحارب رسله، وهو إنما خُلِق ليكون عبدًا لا ضدًّا، كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [يس:77]. وعن بُسْر بن جَحَّاش قال: بَصَقَ رسول الله في كَفِّه، ثم قال: «يقول الله: ابنَ آدم، أنَّى تُعجِزني وقد خَلَقْتُك من مثل هذه؟! حتى إذا سَوَّيْتُكَ فعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بين بُرْدَيْك وللأرض منك وَئِيدٌ، فجَمَعْتَ ومَنَعْتَ، حتى إذا بَلَغَتْ الحلقوم قلت: أتَصَدَّقُ. وأنَّى أوَانُ الصدقة؟» [رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني].
الآية (5-6): يَمْتَنُّ تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع، من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ وهو وقت رجوعها عشيًّا من المرعى، فإنها تكون أمَدّه خواصر، وأعظمه ضروعًا، وأعلاه أسنمة، ﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ أي: غُدوة حين تبعثونها إلى المرعى.