حجم الخط:

الآيات (1-7)

الآية (1-3): أما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول «سورة البقرة» بما أغنى عن إعادته ههنا. ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أي: تنزيل هذا الكتاب -وهو القرآن- من الله ذي العزة والعلم، فلا يُرام جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه. ﴿ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخَضَع لديه. ﴿ شَدِيدِ الْعِقَابِ أي: لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله وبغى. وهذه كقوله تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٤٩ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50]، يقرن هذين الوصفين كثيرًا في مواضع متعددة من القرآن؛ ليبقى العبد بين الرجاء والخوف. ﴿ ذِي الطَّوْلِ قال ابن عباس: يعني: السعة والغنى، وقال يزيد بن الأصم: يعني: الخير الكثير، وقال عكرمة: ذي المن، وقال قتادة: ذي النعم والفواضل. والمعنى: أنه المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه من المنن و[الأنعُم]، التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا الآية [إبراهيم:34، والنحل:18]. ﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا إله غيره، ولا رب سواه. ﴿ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي: المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، ﴿ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41]. جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إني قَتَلْتُ، فهل لي من توبة؟ فقرأ عليه: ﴿ حم ﴿١ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٢ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ وقال: اعمل ولا تيأس [رواه ابن أبي حاتم وابن جرير].

الآية (4): يقول تعالى: ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان ﴿ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أي: الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه، ﴿ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ أي: في أموالها ونعيمها وزهرتها؛ كما قال: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿١٩٦ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196-197]، وقال عز وجل: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:24].

الآية (5-6): قال تعالى مسلّيًا لنبيه محمد في تكذيب من كذبه من قومه، بأن له أسوة مَن سلف من الأنبياء؛ فإنه قد كذَّبهم أممهم وخالفوهم، وما آمن بهم منهم إلا قليل، فقال: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وهو أول رسول بَعَثه الله ينهى عن عبادة الأوثان، ﴿ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: من كل أمة. ﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ أي: حرصوا على قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسوله، ﴿ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ أي: مَاحَلُوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي. ﴿ فَأَخَذْتُهُمْ أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ أي: فكيف بلغك عذابي لهم، ونكالي بهم؟! قد كان شديدًا موجعًا مؤلمًا. قال قتادة: كان والله شديدًا. ﴿ وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ أي: كما حقت كلمةُ العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذّبك فلا وثوق له بتصديق غيرك.

الآية (7): يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حَمَلة العرش الأربعة، ومن حوله من الكروبيين، بأنهم يسبحون بحمد ربهم؛ أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح. ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ أي: خاشعون له أذلّاء بين يديه، وأنهم ﴿ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيّض الله سبحانه ملائكته المقربين أن يَدْعُوا للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- كانوا يُؤمِّنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله». وقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله صدق أمية في شيء من شعره، فقال:

رَجُلٌ وثَوْرٌ تحت رِجْل يمينه ... والنَّسْرُ للأخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ

فقال رسول الله : «صدق». وهذا إسناد جيد: وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 17]، ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا أي: إن رحمتك تَسَع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات، ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ أي: وزحزحهم عن عذاب الجحيم، وهو العذاب الموجع الأليم.