الآية (1-5): اختُلف في سبب نزول صدر هذه السورة، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العَسَل. عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن. فدخل على حفصة فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغِرْتُ فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالَن له. فقلت لسودة بنت زَمْعَةَ: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغَافير[1]؟! فإنه سيقول لك: لا. فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟! فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقولي: جَرَسَتْ نحلُه العُرفُطَ[2]. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك. قالت -تقول سودة-: والله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمَرْتِنِي فَرَقًا منكِ، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟! قال: «لا». قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟! قال: «سقتني حفصة شَربة عسل». قالت: جَرَسَت نَحلُه العرفطَ. فلما دار إليَّ قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: «لا حاجةَ لي فيه». قالت -تقول سودة-: والله لقد حَرَمْنَاه. قلت لها: اسكتي [متفق عليه]. والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل، وفي طريق [آخر] عن عائشة أن زينب بنت جحش هي التي سقت العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بُعد في ذلك، إلا أن كونهما سببا لنزول هذه الآية فيه نظر، والله أعلم. ومما يدل على أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان: الحديثُ الذي رواه ابن عباس قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾، حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدَل عمر وعدلت معه بالإداوة. فتبرز ثم أتاني، فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، مَن المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس، قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، قال: هي حفصة وعائشة [متفق عليه]. وعن عمر قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه، دخلت المسجد، فإذا الناس يَنكُتُون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه! وذلك قبل أن يُؤمَر بالحجاب. فقلت: لأعلمن ذلك اليوم...، إلى أن قال: فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكُفَّة المشرَبة، فناديت فقلت: يا رباح، استأذن لي على رسول الله ﷺ فذكر نحو ما تقدم، إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله، ما يَشُقّ عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكتَه وجبريلَ وميكائيلَ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمتُ -وأحمد الله- بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يصدق قولي، ونزلت هذه الآية، آية التخيير: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ﴾، ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ﴾. فقلت: أطلقتهن؟ قال: «لا». فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء:83]، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر [رواه مسلم]. وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أبو بكر وعمر. زاد الحسن البصري: عثمان. وقال مجاهد: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ علي بن أبي طالب. [سبب النزول]: عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ﴾ فنزلت هذه الآية [رواه البخاري]. ومعنى قوله: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ ﴾ ظاهر. ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ أي: صائمات. قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: أي: مهاجرات. وتلا عبد الرحمن: ﴿ السَّائِحُونَ ﴾ [التوبة:112] أي: المهاجرون. والقول الأول أولى. ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ أي: منهن ثيبات، ومنهن أبكارًا، ليكون ذلك أشهى إلى النفس؛ فإن التنوع يبسُط النفسَ.
الآية (6): عن علي في قوله: ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ يقول: أدّبوهم، وعَلموهم. وقال ابن عباس: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومُروا أهليكم بالذكر، ينجكم الله من النار. وقال قتادة: يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقومَ عليهم بأمر الله، ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية، قَدعتَهم[3] عنها وزجرتهم عنها. وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله، من قرابته وإمائه وعبيده، ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه. وفي معنى هذه الآية الحديثُ: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. قال الفقهاء: وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر. ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ ﴾ أي: حطبها الذي يلقى فيها جُثث بني آدم، ﴿ وَالْحِجَارَةُ ﴾ قيل: المراد بذلك الأصنام التي كانت تُعبد؛ لقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء:98]. ﴿ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ﴾ أي: طباعهم غليظة، قد نُزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، ﴿ شِدَادٌ ﴾ أي: تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج. ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه. وهؤلاء هم الزبانية عياذًا بالله منهم.
الآية (7): ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم.