حجم الخط:

الآيات (1-7)

الآية (1-5): اختُلف في سبب نزول صدر هذه السورة، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العَسَل. عن عائشة قالت: كان رسول الله يحب الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن. فدخل على حفصة فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغِرْتُ فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالَن له. فقلت لسودة بنت زَمْعَةَ: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغَافير[1]؟! فإنه سيقول لك: لا. فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟! فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقولي: جَرَسَتْ نحلُه العُرفُطَ[2]. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك. قالت -تقول سودة-: والله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمَرْتِنِي فَرَقًا منكِ، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟! قال: «لا». قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟! قال: «سقتني حفصة شَربة عسل». قالت: جَرَسَت نَحلُه العرفطَ. فلما دار إليَّ قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: «لا حاجةَ لي فيه». قالت -تقول سودة-: والله لقد حَرَمْنَاه. قلت لها: اسكتي [متفق عليه]. والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل، وفي طريق [آخر] عن عائشة أن زينب بنت جحش هي التي سقت العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بُعد في ذلك، إلا أن كونهما سببا لنزول هذه الآية فيه نظر، والله أعلم. ومما يدل على أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان: الحديثُ الذي رواه ابن عباس قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي اللتين قال الله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ، حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدَل عمر وعدلت معه بالإداوة. فتبرز ثم أتاني، فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، مَن المرأتان من أزواج النبي اللتان قال الله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس، قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، قال: هي حفصة وعائشة [متفق عليه]. وعن عمر قال: لما اعتزل نبي الله نساءه، دخلت المسجد، فإذا الناس يَنكُتُون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله نساءه! وذلك قبل أن يُؤمَر بالحجاب. فقلت: لأعلمن ذلك اليوم...، إلى أن قال: فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله على أسكُفَّة المشرَبة، فناديت فقلت: يا رباح، استأذن لي على رسول الله فذكر نحو ما تقدم، إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله، ما يَشُقّ عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكتَه وجبريلَ وميكائيلَ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمتُ -وأحمد الله- بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يصدق قولي، ونزلت هذه الآية، آية التخيير: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ، ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ . فقلت: أطلقتهن؟ قال: «لا». فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83]، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر [رواه مسلم]. وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أبو بكر وعمر. زاد الحسن البصري: عثمان. وقال مجاهد: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ علي بن أبي طالب. [سبب النزول]: عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فنزلت هذه الآية [رواه البخاري]. ومعنى قوله: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ ظاهر. ﴿ سَائِحَاتٍ أي: صائمات. قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير. وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: أي: مهاجرات. وتلا عبد الرحمن: ﴿ السَّائِحُونَ [التوبة:112] أي: المهاجرون. والقول الأول أولى. ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا أي: منهن ثيبات، ومنهن أبكارًا، ليكون ذلك أشهى إلى النفس؛ فإن التنوع يبسُط النفسَ.

الآية (6): عن علي في قوله: ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا يقول: أدّبوهم، وعَلموهم. وقال ابن عباس: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومُروا أهليكم بالذكر، ينجكم الله من النار. وقال قتادة: يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقومَ عليهم بأمر الله، ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية، قَدعتَهم[3] عنها وزجرتهم عنها. وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله، من قرابته وإمائه وعبيده، ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه. وفي معنى هذه الآية الحديثُ: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. قال الفقهاء: وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر. ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ أي: حطبها الذي يلقى فيها جُثث بني آدم، ﴿ وَالْحِجَارَةُ قيل: المراد بذلك الأصنام التي كانت تُعبد؛ لقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98]. ﴿ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ أي: طباعهم غليظة، قد نُزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، ﴿ شِدَادٌ أي: تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج. ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه. وهؤلاء هم الزبانية عياذًا بالله منهم.

الآية (7): ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم.