الآية (1): قال البخاري: قال ابن عباس: الأنفال: الغنائم. وكذا قال مجاهد وعكرمة وغير واحد. وعن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه. وإسناده صحيح إلى ابن عباس أنه فسَّر النَّفَل بما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه، بعد قسم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم. وعن عطاء بن أبي رباح: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ قال: يسألونك فيما شذَّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال؛ من: دابة أو عبد أو أمَة أو متاع، فهو نَفَلٌ للنبي ﷺ يصنع به ما يشاء. وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء، وهو ما أُخذ من الكفار من غير قتال. قال ابن جرير: وقال آخرون: هي أنفال السرايا، وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابن جرير أنها الزيادة على القَسْم. ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم ولا تَظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه. ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أي: في قَسْمِه بينكم على ما أراده الله؛ فإنه يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف. وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم.
الآية (2): قال ابن عباس: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلُّون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فأدّوا فرائضه ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ يقول: زادتهم تصديقًا ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ يقول: لا يرجون غيره. وقال مجاهد: ﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾: فَرَِقَتْ، أي: فزعت وخافت. وهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره. وقوله: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [التوبة:24]. وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من الأئمة؛ كالشافعي وأحمد وأبي عبيد. ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان.
الآية (3-4): قوله: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ ينبه بذلك على أعمالهم بعد ما ذكر اعتقادهم، وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو: إقامة الصلاة -وهو حق الله تعالى- وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها، وقال مقاتل بن حَيَّان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ؛ هذا إقامتها، والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب؛ قال قتادة في قوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾: فأنفِقوا مما أعطاكم الله؛ فإنما هذه الأموال عَوَارِي وودائع عندك يا ابن آدم، أوْشَكْتَ أن تفارقها. ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ أي: المتّصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان. ﴿ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أي: منازل ومقامات ودرجات في الجنات. ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ أي: يغفر لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات. وقال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفلُ أنه فُضّل عليه أحد.
الآية (5-6): قال الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه «الكاف» في قوله: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ﴾، فقال بعضهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسوله، وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ﴾ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعد ما تبين لهم. ﴿ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ﴾ [سبب النزول]: عن ابن عباس: لما شاور النبي ﷺ في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال -وذلك يوم بدر- أمر الناس أن يتهيَّأوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾ الآيتان. قال مجاهد: ﴿ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ ﴾: في القتال. قال ابن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك المشركين، ثم روى عن ابن زيد قال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ ﴾ حين يدعون إلى الإسلام ﴿ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مُبتدَأة لأهل الكفر. قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق أنه خبر عن المؤمنين. وهذا الذي نصَره ابن جرير هو الحق.
الآية (7-8): ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ أي: يحبون أن الطائفة التي لا حَدَّ لها ولا منَعة ولا قتال، تكون لهم؛ وهي العِير. ﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال، ليُظَفِّرَكم بهم، ويُظهركم عليهم، ويُظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالبًا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحُسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم.