حجم الخط:

الآيات (1-8)

الآية (1): يخبر تعالى أنه يُسبّح له ما في السموات وما في الأرض، أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها؛ كما قال: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]. ﴿ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ أي: هو مالك السموات والأرض المتصرف فيهما بحكمه، وهو المقدّس، أي: المنزه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال. ﴿ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ تقدم تفسيره غير مرة.

الآية (2): ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ الأميون هم: العرب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20] وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وآكد، كما في قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:44]، وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به. وكذا قوله: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقوله: ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته إلى جميع الخلق، أحمرهم وأسودهم. وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. فبعثه الله سبحانه وتعالى على حين فترة من الرسل، وطُمُوس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهلَ الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب -أي: نزرًا يسيرًا- ممن تمسك بما بعث الله به عيسى ابن مريم عليه السلام؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . وذلك أن العرب كانوا قديمًا متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلام فبدَّلوه وغيَّروه، وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا، وباليقين شكًّا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتابين قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأوّلوها، فبعث الله محمدًا صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع. وجمَعَ له تعالى جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما لم يُعطِ أحدًا من الأولين، ولا يعطيه أحدًا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.

الآية (3-4): ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ عن أبي هريرة قال: كنا جلوسًا عند النبي فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثُّرَيَّا لناله رجال -أو: رَجُلٌ- من هؤلاء» [متفق عليه]. ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية، وعلى عموم بعثته إلى جميع الناس؛ لأنه فسَّر قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ بفارس؛ ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله عز وجل، وإلى اتباع ما جاء به؛ ولهذا قال مجاهد في قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال: هم الأعاجم، وكل من صدّق النبي من غير العرب. وعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله : «إنَ في أصلاب أصلاب أصلاب رجال [من أصحابي رجالاً][1] ونساءً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب»، ثم قرأ: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ . يعني: بقية من بقي من أمة محمد [رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني]. ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره. ﴿ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ما أعطاه الله محمدًا من النبوة العظيمة، وما خص به أمته من بعثته .

الآية (5): يقول تعالى ذامًّا لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها، ثم لم يعملوا بها، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملًا حسيًا ولا يدري ما عليه. وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظًا ولم يتفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، بل أوّلوه وحرّفوه وبدّلوه، فهم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهمَ له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]، وقال ههنا: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .

الآية (6-8): ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ أي: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدًا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فيما تزعمونه. ﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي: بما يعملون من الكفر والظلم والفجور، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: إن رأيتُ محمدًا عند الكعبة لآتينَّه حتى أطأ على عُنُقه. فقال رسول الله : «لو فعل لأخذَته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تَمَنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يُباهلون رسول الله لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا» [رواه البخاري]. قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ كقوله: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78].