حجم الخط:

الآيات (1-9)

الآية (1): هذه السورة هي آخر الُمسَبِّحات، وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها؛ ولهذا قال: ﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ أي: هو المتصرف في جميع الكائنات، المحمود على جميع ما يخلق ويقدره. وقوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: مهما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع، وما لم يشأ لم يكن.

الآية (2): ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي: هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك، فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال، وهو شهيد على أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتم الجزاء؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .

الآية (3): قال تعالى: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: بالعدل والحكمة، ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي: أحسن أشكالكم؛ كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴿٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8]، وكقوله: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الآية [غافر:64].

وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي: المرجع والمآب.

الآية (4): أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية، فقال: ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .

الآية (5): يقول تعالى مخبرًا عن الأمم الماضين، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ أي: خَبرهم وما كان من أمرهم.

﴿ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ أي: وَخِيمَ تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما حلَّ بهم في الدنيا من العقوبة والخزي. ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي.

الآية (6): ثم علَّل ذلك فقال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ أي: بالحجج والدلائل والبراهين ﴿ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ؟! أي: استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هُداهم على يدي بشر مِثلِهم. ﴿ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا أي: كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل. ﴿ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أي: عنهم، ﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ .

الآية (7): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين والكفار والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ أي: لتُخْبَرُنَّ بجميع أعمالكم، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها. ﴿ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي: بعثكم ومجازاتكم.

وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله أن يقسم بربه عز وجل على وقوع المعاد ووجوده، فالأولى في سورة يونس: ﴿ [يونس:53]، والثانية في سورة سبأ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ الآية [سبأ:3]، والثالثة هي هذه: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ .

الآية (8): ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا يعني: القرآن، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية.

الآية (9): قوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يُسمعُهم الداعي ويَنْفُذُهم البصر؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:103]، وقال تعالى: ﴿ [الواقعة:49-50].

قوله: ﴿ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة؛ وذلك أن أهل الجنة يَغْبِنُون أهل النار. وكذا قال قتادة ومجاهد. وقال مقاتل بن حيان: لا غَبْنَ أعظمُ من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويُذْهَب بأولئك إلى النار.

قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .