الآية (10-11): يخبر تعالى عن الكفار أنهم وقود النار، وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمُنجيهم من عذابه وأليم عقابه، بل كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 85]، كما قال ههنا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: بآيات الله وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ أي: حطبها الذي تُسجَر به وتُوقد به، كقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ [الأنبياء:98].
قوله: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ قال ابن عباس: كصنيع آل فرعون. ومنهم من يقول: كسُنّة آل فرعون، وكفِعل آل فرعون وكشَبَهِ آل فرعون، والألفاظ متقاربة. والدَّأَْب -بالتسكين والتحريك أيضًا؛ كنَهْر ونَهَر- هو الصّنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك. والمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني عنهم الأولاد ولا الأموال، بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون ومَن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحُجَجِه ﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ أي: شديد الأخذ، أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد، الذي قد غلب كل شيء، لا إله غيره، ولا رب سواه.
الآية (12): يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: ﴿ سَتُغْلَبُونَ ﴾ أي: في الدنيا ﴿ وَتُحْشَرُونَ ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾. [سبب النزول] عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: «يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما أصاب قريشا». فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾.
الآية (13): قال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ ﴾ أي: قد كان لكم -أيها اليهود القائلون ما قلتم- ﴿ آيَةٌ ﴾ أي: دلالة على أن الله مُعزٌّ دينَه، وناصرٌ رسولَه، ومُظهرٌ كلمته، ومُعْلٍ أمرَه ﴿ فِي فِئَتَيْنِ ﴾ أي: طائفتين ﴿ الْتَقَتَا ۖ ﴾ أي: للقتال ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهم المسلمون ﴿ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ ﴾ وهم مشركو قريش يوم بدر. وقوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ ﴾ يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأيَ أعيُنِهم، أي: جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإسلام عليهم. [وقيل]: ترى الفئةُ المسلمة الفئةَ الكافرة مثليهم، أي: ضِعفَيْهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم [فإن قيل:] ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾؟ [الأنفال: 44] والجواب: أن هذا كان في حال، والآخر كان في حال أخرى؛ عن ابن مسعود في قوله: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ ﴾ الآية، قال: هذا يوم بدر، [و]قال: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحدًا؛ وذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ [الأنفال: 44].
[وقوله]: ﴿ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ أي: إن في ذلك لـمُعتَبرًا لمن له بصيرة وفهم، ليهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدَرِه الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
الآية (14): يخبر تعالى عما زُيِّن للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت أنه ﷺ قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء» [متفق عليه]. فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوبٌ فيه مندوبٌ إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه «وإنَّ خَيْرَ هَذه الأمَّةِ كَانَ أكْثرها نساءً» [رواه البخاري]، وقوله ﷺ: «الدُّنْيَا مَتَاع، وخَيْرُ مَتَاعِهَا المرْأةُ الصَّالحةُ» [رواه مسلم]، وقوله في الحديث الآخر: «حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ، وجُعلَتْ قُرة عَيْني فِي الصلاة» [رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني]. وحب المال كذلك تارةً يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء، والتجبُّر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القُربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات؛ فهذا ممدوح محسود عليه شرعًا. وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها: أنه المال الجزيل، كما قاله الضحاك وغيره. وحُب الخيل على ثلاثة أقسام: تارة يكون ربطَها أصحابُها مُعدَّة لسبيل الله تعالى، متى احتاجوا إليها غزَوا عليها، فهؤلاء يُثابون. وتارة تُربط فخرًا ونِوَاءً لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وِزْر. وتارة للتعفُّف واقتناء نسلها، ولم يَنْسَ حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستْر. وأما ﴿ الْمُسَوَّمَةِ ﴾ فعن ابن عباس: المسومة الراعية، والمُطَهَّمة الحِسَان. وقال مكحول: المسومة: الغُرَّة والتحجيل. وقيل غير ذلك.
وقوله: ﴿ وَالْأَنْعَامِ ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم ﴿ وَالْحَرْثِ ۗ ﴾ يعني: الأرض المتَّخَذة للغِرَاس والزراعة. ثم قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ﴾ أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتُها الفانية الزائلة ﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ أي: حسن المرجع والثواب.
الآية (15): ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أي: قل يا محمد للناس: أأُخبركم بخير مما زُيّن للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة؟ ثم أخبَر عن ذلك فقال: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي: تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة؛ من العسل واللبَن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشَر. ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي: ماكثين فيها أبد الآباد، لا يبغون عنها حِوَلًا ﴿ وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ أي: من الدَّنَس، والخَبَث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ ﴾ أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبدًا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [التوبة:72] أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ أي: يُعطي كلًا بحسب ما يستحقه من العطاء.