حجم الخط:

الآيات (10-18)

الآية (10): ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ تقدم تفسير مثلُ هذه غير مرة.

الآية (11): يقول تعالى مخبرًا بما أخبر به في سورة الحديد: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22]، وهكذا قال ههنا: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال ابن عباس: بأمر الله؛ يعني: عن قدره ومشيئته. ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعَوَّضه عما فاته من الدنيا هُدًى في قلبه، ويقينًا صادقًا، وقد يُخْلِف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه. قال ابن عباس: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ يعني: يسترجع، يقول: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]. وفي الحديث المتفق عليه: «عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضَرَّاء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن».

الآية (12-13): قوله: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أمرٌ بطاعة الله ورسوله فيما شرع، وفعل ما به أمر، وترك ما عنه نهى وزجر. ثم قال: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ أي: إن نَكَلْتُم عن العمل فإنما عليه ما حُمِّل من البلاغ، وعليكم ما حُمِّلْتم من السمع والطاعة. قال الزهري: مِن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. ثم قال تعالى مخبرًا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ، فالأول خَبَرٌ عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب؛ أي: وحِّدُوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9].

الآية (14): يقول تعالى مخبرًا عن الأزواج والأولاد: أن منهم من هو عدو الزوج والوالد، بمعنى: أنه يلتهى به عن العمل الصالح؛ كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ فَاحْذَرُوهُمْ قال ابن زيد: يعني على دينكم. وقال مجاهد: ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ : يحملُ الرجلَ على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه. [سبب النزول]: عن ابن عباس قال: هؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله ، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعوهم، فلما أتوا رسول الله رأوا الناسَ قد فقهوا في الدين، فَهَمُّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [رواه الترمذي، وحسَّنه الألباني].

الآية (15): ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد فتنة، أي: اختبار وابتلاء من الله لخلقه ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أي: يوم القيامة ﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ كما قال: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ والتي بعدها [آل عمران:14-15].

[عن] بريدة قال: كان رسول الله يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: «صدق الله ورسوله، ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ؛ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» [رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الألباني].

الآية (16): ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي: جُهْدَكم وطاقتَكم؛ كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». وقد قال زيد بن أسلم: إن هذه الآية العظيمة ناسخة للتي في «آل عمران» وهي قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ قال: لما نزلت الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى وَرِمَتْ عَراقيبُهم وتقرَّحت جباهُهم، فأنزل الله تخفيفًا على المسلمين: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فنسخت الآية الأولى. قوله: ﴿ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلفوا عما به أُمرتم، ولا تَرْكَبُوا ما عنه زُجرتم. ﴿ وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحَاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن إليكم، يكن خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرًّا لكم في الدنيا والآخرة. ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تقدم تفسيره في سورة «الحشر» وذِكْرُ الأحاديث الواردة في معنى هذه الآية، بما أغنى عن إعادته ههنا[1].

الآية (17-18): ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي: مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه، ونزل ذلك منزلة القرض له، كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول: «من يُقْرِضُ غيرَ ظلوم ولا عَديم» [رواه مسلم]. ولهذا قال: ﴿ يُضَاعِفْهُ لَكُمْ كما تقدم في سورة البقرة: ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة:245]. ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي: ويكفر عنكم السيئات. ﴿ وَاللَّهُ شَكُورٌ أي: يجزي على القليل بالكثير ﴿ حَلِيمٌ أي: يصفح ويغفر ويستر، ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات. ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تقدم تفسيره غير مرة.