حجم الخط:

الآيات (101-108)

الآية (101): ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ يعني: أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه؛ فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلًا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد:8]. ثم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العُمْدة في الهداية، والعُدَّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد.

الآية (102-103): عن ابن مسعود: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ قال: أن يُطاع فلا يُعْصَى، وأن يُذكَر فلا يُنسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر.

وقد ذهب سعيد بن جبير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]. وعن ابن عباس في قوله: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ قال: لم تنسخ، ولكن ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ : أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لَوْمَة لائم، ويقوموا بالقِسْط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقوله: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه؛ فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله : «﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَلَوْ أنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ لأمَرَّتْ عَلَى أهْلِ الأرْضِ عِيشَتَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ إلا الزَّقُّومُ؟!» [رواه أحمد وغيره، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وعن جابر قال: سمعت رسول الله يقول قبل موته بثلاث: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عز وجل». [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا قيل: ﴿ بِحَبْلِ اللَّهِ أي: بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112]، أي: بعَهْدٍ وذمة، وقيل: ﴿ بِحَبْلٍ اللَّهِ [1] يعني: القرآن. وقوله: ﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا أمَرَهُم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف، [منها] عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْـمَالِ» [رواه مسلم]. وقد ضُمِنَتْ لهم العِصْمةُ -عند اتفاقهم- من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا، وخِيفَ عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة، فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومُسَلَّمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه رسولُ الله وأصحابه. وقوله: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا وهذا السياق في شأن الأوْس والخَزْرَج؛ فإنه كانت بينهم حُروبٌ كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن، وإحَنٌ وذُحُولٌ[2] طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدَخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٢ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:62-63]، وكانوا على شَفا حُفْرة من النار بسبب كفرهم، فأبعدهم الله منها. وقد امتنَّ عليهم بذلك رسولُ الله يوم قَسَم غنائم حُنَيْنٍ، فَعتَبَ مَن عتب منهم لـمَّا فَضَّل عليهم في القِسْمَة بما أراه الله، فخطبهم فقال: «يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ألَمْ أجدْكُمْ ضُلالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألَّفَكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً فأغْنَاكُمْ اللهُ بِي؟» كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَنّ. [متفق عليه].

الآية (104-108): يقول تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ أي: مُنتصبةٌ للقيام بأمر الله، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال الضحاك: هم خاصّة الصحابة وخاصة الرُّواة، يعني: المجاهدين والعلماء. والمقصود من هذه الآية أن تكون فِرْقَة من الأمَّة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَده، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ». وفي رواية: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» [رواه مسلم]. ثم قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ : ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضين في تفرُّقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم. وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ يعني: يوم القيامة، حين تبيَضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسوَدُّ وجوه أهل البِدْعَة والفرقة، قاله ابن عباس.

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ : قال الحسن البصري: وهم المنافقون. ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وهذا الوصف يَعُمّ كل كافر ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يعني: الجنة، ماكثون فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا. ثم قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ أي: هذه آيات الله وحُجَجُه وبيّناته ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ يا محمد ﴿ بِالْحَقِّ أي: نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة، ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ أي: ليس بظالمٍ لهم، بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلِم أحدًا من خلقه.