الآية (102): صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدوّ تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صَوْبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة ثلاثية كالمغرب، وتارة تكون ثنائية، كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالًا وركبانًا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة، وبه قال أحمد بن حنبل. وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيُجزيك ركعة واحدة، تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة؛ لأنها ذكر الله. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي ﷺ يوم الأحزاب صلاة الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء. وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نُسخ تأخير الصلاة لذلك.
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ﴾ أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف. [سبب النزول]: عن أبي عياش الزُّرَقِي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي ﷺ الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حالٍ لو أصبنا غِرَّتَهم. ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ﴾ قال: فحضرت، فأمرهم النبي ﷺ فأخذوا السلاح، قال: فصفنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا، ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم [رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصحح إسناده أحمد شاكر] وله شواهد كثيرة، فمن ذلك ما رواه ابن عباس قال: قام النبي ﷺ وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا، وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا [رواه البخاري]. وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف، فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب؛ لظاهر الآية، ويدل عليه قوله: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ أي: بحيث تكونون على أُهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة ﴿ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾.
الآية (103-104): يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعًا مُرَغَّبًا فيه أيضًا بعد غيرها، ولكن ههنا آكد؛ لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك، مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهُر الحرُم: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة:36]، وإن كان هذا منهيًا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ﴾ أي: في سائر أحوالكم. ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ ﴾ أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ أي: فأتموها وأقيموها كما أُمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها، وجميع شؤونها. ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ قال ابن عباس: أي مفروضًا. وقال ابن مسعود: إن للصلاة وقتًا كوقت الحج. وقال زيد بن أسلم: منجمًا، كلما مضى نجم جاءتهم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت. ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدّوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد ﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ﴾ أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ [آل عمران:140]. قوله: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾ أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها. ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه، وينفذه ويمضيه، من أحكامه الكونية والشرعية، وهو المحمود على كل حال.
الآية (105): يقول تعالى مخاطبًا لرسوله ﷺ: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ احتج بهذه الآية من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﷺ له أن يحكم بالاجتهاد، وبما ثبت عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله ﷺ: «إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألْـحَن بحُجَّتِه من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها إسطامًا [1] في عنقه يوم القيامة». فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي. فقال رسول الله ﷺ: «أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخّيا الحق بينكما، ثم استَهِما، ثم ليُحْللْ كل واحد منكما صاحبه» [رواه أحمد وحسنه الألباني]. ذكر مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وابن زيد وغيرهم في هذه الآية أنها أنزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة.