الآية (102-103): ﴿ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ﴾ أي: حريقها في الأجساد. ﴿ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴾ فسَلَّمَهم من المحذور والمرهوب، وحَصَل لهم المطلوب والمحبوب.
قال ابن عباس: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾، ثم استثنى فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ ﴾ فيقال: هم الملائكة وعيسى ونحو ذلك ممَّا يعبد من دون الله عز وجل. وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج. وقوله: ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ﴾ قيل: المراد بذلك الموت. وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصُّوْر. وقيل: حين يُذبَح الموت بين الجنة والنار. ﴿ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ يعني: تقول لهم الملائكة، تُبَشِّرُهُم يوم معادهم إذا خَرَجُوا من قبورهم: ﴿ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ أي: قابلوا ما يَسُرُّكُم.
الآية (104): يقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر:67]، وروى البخاري عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يَقبِضُ يوم القيامة الأرضَين، وتكون السموات بيمينه».
وقوله: ﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ قيل: المراد بالسِّجِل: الكتاب. وقيل: مَلَك من الملائكة.
والصحيح عن ابن عباس أن السِّجِل هي الصحيفة، ونَصَّ على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ أي: على الكتاب، بمعنى المكتوب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ﴾ يعني: هذا كائن لا محالةَ، يوم يُعِيد الله الخلائق خَلْقًا جديدًا، كما بَدَأَهم هو القادر على إعادتهم، وذلك واجب الوقوع؛ لأنه من جملة وَعْدِ الله الذي لا يُخْلَفُ ولا يُبَدَّلُ، وهو القادر على ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾. وعن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: «إنكم محشورون إلى الله عز وجل حُفاةً عُرَاةً غُرْلًا، ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾» [متفق عليه].
الآية (105-107): يقول تعالى مُخْبِرًا عمَّا حَتَّمَه وقَضَاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة. وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ قال سعيد بن جُبَير: الزبور: التوراة والإنجيل والقرآن. وقال ابن عباس وقتادة وغير واحد: الزبور: الذي أُنْزِل على داود، والذِّكْر: التوراة، وعن ابن عباس: الزبور: القرآن. وقال مجاهد: الزبور: الكُتُبُ بعد الذِّكر، والذِّكر: أمُّ الكتاب عند الله. واختار ذلك ابن جرير رحمه الله. وقال ابن عباس: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض: أن يُوَرِّثَ أمَّةَ محمد ﷺ الأرض ويُدْخِلَهم الجنة، وهم الصالحون. وعن ابن عباس: ﴿ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ قال: أرض الجنة. وكذا قال مجاهد وسعيد بن جُبَير والشعبي وقتادة وغيرهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد ﷺ ﴿ لَبَلَاغًا ﴾: لمَنْفعةً وكفاية ﴿ لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ وهم الذين عبدوا الله بما شَرَعَه وأَحَبَّه ورَضِيَه، وآثروا طاعةَ الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.
وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ يُخبِر تعالى أن الله جَعَل محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، أي: أرسله رحمةً لهم كلّهم، فمن قَبِل هذه الرحمةَ وشَكَر هذه النعمةَ سعد في الدنيا والآخرة، ومن رَدَّها وجَحَدَها خَسـر في الدنيا والآخرة، وعن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادعُ على المشـركين، قال: «إني لم أُبعَثْ لَعَّانًا، وإنما بُعثْتُ رحمةً» انفرد بإخراجه مسلم. فإن قِيلَ: فأيُّ رحمةٍ حَصَلَت لمن كَفَر به؟ فالجواب: عن ابن عباس قال: من آمن بالله واليوم الآخر، كُتِبَ له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عُوِفي ممَّا أصاب الأمم من الـخَسْفَ والقَذْف.
الآية (108-112): يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أي: مُتَّبِعُونَ على ذلك، مستسلمون مُنقَادون له.
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ أي: تَرَكوا ما دَعَوْتَهم إليه ﴿ فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ﴾ أي: أَعلَمْتُكم أني حَرْب لكم، كما أنكم حَرْبٌ لي، بَرِيءٌ منكم كما أنكم بُرَآءُ مني. وقوله: ﴿ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ﴾ أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا عِلْمَ لي بقُرْبِه ولا بِبُعْدِه ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ﴾ أي: إن الله يَعلَم الغيب جَمِيعَه، ويَعلَم ما يُظْهِرُه العباد وما يُسِرُّون؛ يَعلَم الظواهر والضمائر، ويَعلَم السِّرَّ وأخفى، ويَعلَم ما العباد عاملون في أَجْهَارِهِم وأَسْرَارِهِم، وسَيَجْزِيهم على ذلك، على القليل والجليل.
وقوله: ﴿ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ أي: وما أدري لعل هذا فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين، قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنةٌ لكم، ومتاعٌ إلى أَجَلٍ مُسَمَّى. وحكاه عون عن ابن عباس، والله أعلم. ﴿ قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ﴾ أي: افْصِل بيننا وبين قومنا الـمُكَذِّبِين بِالـحَقِّ. قال قتادة: كان الأنبياء -عليهم السلام- يقولون: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ [الأعراف:89]، وأُمِر رسول الله ﷺ أن يقول ذلك. ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك.