الآية (104): وقوله: ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: وما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إلى الخير والرُّشْد من أَجْرٍ، بل تفعله ابتغاءَ وجه الله، ونصحًا لخلقه. ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ أي: يتَذَكَّرون به ويهتدون، وينجون به في الدنيا والآخرة.
الآية (105-107): يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده، بما خلقه الله في السموات والأرض، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء.
وقوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ قال ابن عباس: من إيمانهم: أنهم إذا قيل لهم: من خلق السماوات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: «الله»، وهم مشركون به. وكذا قال مجاهد والشعبي وقتادة. وقال الحسن: ذاك المنافق؛ يعمل إذا عَمِلَ رياءَ الناس، وهو مشرك بعمله ذاك. وثَمَّ شرك آخر خَفِيٌّ لا يشعر به غالبًا فاعله؛ كما في الحديث: «من حلف بغير الله فقد أشرك» [رواه أحمد والترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وعن ابن مسعود [مرفوعًا]: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وحسن إسناده أحمد شاكر].
وقوله: ﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴾ الآية، أي: أفأمن هؤلاء المشركون أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون؛ كقوله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿٩٧﴾ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩٨﴾ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف:97-99].
الآية (108): يقول تعالى لرسوله ﷺ إلى الثقلين -الجن والإنس- آمرًا له أن يخبر الناس: أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسُنَّته؛ وهي: الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ يدعو إلى الله بها على بَصِيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو، وكلُّ من اتَّبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي. وقوله: ﴿ وَسُبْحَانَ اللَّهِ ﴾ أي: وأُنَزِّهُ الله وأُجِلُّهُ وأُعَظِّمُهُ وأُقَدِّسُهُ، عن أن يكون له شريك أو نظير، أو عديل أو نديد، أو ولد أو والد أو صاحبة، أو وزير أو مشير، تبارك وتعالى وتقدَّس وتَنَزَّه عن ذلك كلّه علوًّا كبيرًا.
الآية (109): يخبر تعالى أنه إنما أرسلَ رسُلَه من الرجال لا من النساء. وهذا قول جمهور العلماء، كما دلَّ عليه سياق هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يُوحِ إلى امرأة من بنات بني آدم وَحي تشريع. وإنما فيهنَّ صِدِّيْقَات؛ كما قال تعالى مخبرًا عن أَشْرَفِهِنَّ مريمَ بنت عمران حيث قال: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ [المائدة:75]، فوَصَفَها في أشرف مقاماتها بالصِّدِّيقِيَّة، فلو كانت نبيّةً لذَكَر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صِدِّيقَة بنصِّ القرآن. وقال ابن عباس في قوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ﴾ أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهذا القول يعتضد بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ الآية [الفرقان:20].
وقوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ﴾: المراد بالقرى: المدن، لا أنهم من أهل البوادي، الذين هم أجفى الناس طِباعًا وأخلاقًا. وهذا هو المعهود المعروف: أن أهل المدن أرقُّ طِباعًا، وأَلطَفُ من أهل سَوَادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالًا من الذين يسكنون في البوادي؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ﴾ الآية [التوبة:97].
وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد، ﴿ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أي: من الأمم المكذِّبة للرسل، كيف ﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ [محمد:10]؛ كقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46].
﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أي: وكما أنجينا المؤمنين في الدنيا، كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة أيضًا، وهي خير لهم من الدنيا بكثير؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51].
الآية (110): يذكر تعالى أن نصره ينزل على رسله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى في أحوج الأوقات إلى ذلك؛كقوله تعالى: ﴿ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ الآية [البقرة:214].
وفي قوله: ﴿ كُذِبُوا ﴾ قراءتان، إحداهما بالتشديد: «قد كُذِّبوا»، وكذلك كانت عائشة تقرؤها، وقالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر ﴿ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾ ممن كذَّبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذَّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك... والقراءة الثانية بالتخفيف، ... قال ابن عباس: لَـمَّا أَيسَت الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبُوهُمْ، جاءهم النصر على ذلك ﴿ فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ﴾. وقال سعيد بن جبير: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم، وظن المرسَلُ إليهم أن الرسل كَذَبوا.
الآية (111): يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين ﴿ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ وهي العقول، ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ ﴾ أي: وما كان لهذا القرآن أن يُفْتَرَى من دون الله، أي: يُكْذَب ويُخْتَلَق، ﴿ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: من الكتب المنزلة من السماء، وهو يُصَدِّق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الربِّ تبارك وتعالى بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾، تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلالة إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد. فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة.