حجم الخط:

الآيات (105-120)

الآية (105-106): ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فقال بعضهم: معناه: حقيقٌ بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي: جدير بذلك وحَرِيٌّ به؛ قالوا: و(الباء) و(على) يتعاقبان. وقال بعض المفسرين: معناه: حريص على ألَّا أقول على الله إلا الحق. وقرأ آخرون من أهل المدينة: «حَقِيقٌ عَلَيَّ» بمعنى: واجب وحقٌّ عَلَيَّ ذلك، ألَّا أُخبر عنه إلا بما هو حقٌّ وصِدق، لِـمَا أعلم من عِزِّ جلاله وعظيم سلطانه.

﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي: بحُجَّة قاطعة من الله، أعطانيها دليلًا على صدقي فيما جئتكم به، ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أي: أطلِقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم؛ فإنهم من سلالة نبي كريم: إسرائيل، وهو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، ﴿ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي: قال فرعون: لستُ بمصدِّقك فيما قلتَ، ولا بمطيعك فيما طلبتَ، فإن كانت معك حجة فأَظهِرها لنراها، إن كنت صادقًا فيما ادّعيت.

الآية (107-108): قال ابن عباس في قوله: ﴿ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ : الحيّة الذَّكَر. وكذا قال السُّدي والضحاك. وقوله: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ أي: أخرج يده من دِرعه بعد ما أدخلها فيه، فخَرَجَت بيضاءَ تتلألأ من غير بَرَص ولا مرض؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ [طه:22].

الآية (109-110): أي: قال الملأ -وهم الجمهور والسادة- من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه، بعد ما رجع إليه روعه، واستقرَّ على سرير مملكته بعد ذلك، قال الملأ حوله: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ، فوافقوه وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره، وكيف يصنعون في أمره، وكيف تكون حِيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وظهور كَذِبه وافترائه، وتخوَّفوا من مَعَرَّته أن يستميل الناس إليه بسحره فيما يعتقدون، فيكون ذلك سببًا لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم. والذي خافوا منه وقعوا فيه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:6]، فلمَّا تشاوروا في شأنه، وائتمروا فيه، اتَّفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ .

الآية (111-112): قال ابن عباس: ﴿ أَرْجِهْ أخِّرْه. وقال قتادة: احبِسهُ ﴿ وَأَرْسِلْ أي: ابعث ﴿ فِي الْمَدَائِنِ أي: في الأقاليم ومدائن مُلكك ﴿ حَاشِرِينَ أي: من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم. وقد كان السِّحْر في زمانهم غالبًا كثيرًا ظاهرًا، واعتقد من اعتقد منهم، وأُوهِمَ من أُوهِمَ منهم أن ما جاء به موسى عليه السلام من قبيل ما تُشَعْبِذ به سحرتهم؛ فلهذا جَمَعوا له السحرة ليُعارِضوه بنظير ما أراهم من البيِّنات؛ كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ ﴿٥٧ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ﴿٥٨ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴿٥٩ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ [طه:57-60].

الآية (113-114): يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسَّحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى عليه السلام: إن غلبوا موسى ليثيبنهم ولَيُعْطِينَّهُم عطاءً جزيلًا. فوَعَدَهم ومَنَّاهم أن يُعطِيهم ما أرادوا، ويجعلهم من جلسائه والمقرَّبين عنده، فلمَّا توثَّقوا من فرعون لعنه الله ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ .

الآية (115-116): هذه مبارزة من السحرة لموسى عليه السلام في قولهم: ﴿ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ أي: قَبْلك؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ [طه:65]. فقال لهم عليه السلام: ﴿ أَلْقُوا أي: أنتم أوَّلًا. قيل: الحكمة في هذا -والله أعلم- لَيُرِيَ الناس صنيعهم ويتأمَّلوه، فإذا فُرغ من بَهْرَجِهِم ومُحَالِهِم، جاءهم الحقُّ الواضح الجليُّ بعد التَّطلُّب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقَع في النفوس، وكذا كان، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي: خَيَّلوا إلى الأبصار أنَّ ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مُجرَّد صَنعة وخَيال؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ﴿٦٦ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ ﴿٦٧ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ ﴿٦٨ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ [طه:66-69].

الآية (117-120): يُخبِر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام في ذلك الموقف العظيم، الذي فرَّق الله تعالى فيه بين الحقِّ والباطل، يأمره بأن يُلقِي ما في يمينه وهي عصاه، ﴿ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ أي: تأكل ﴿ مَا يَأْفِكُونَ أي: ما يلقونه ويُوهِمون أنه حقٌّ، وهو باطل. قال ابن عباس: فجعلَت لا تَـمُرُّ بشيء من حِبَالهم ولا من خُشُبهم إلا التَقَمَتْهُ، فعَرَفَت السحرة أن هذا أمر من السماء، وليس هذا بسحر، فخَرُّوا سُجَّدًا، وقالوا: ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٢١ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ .