الآية (106-107) [1]
الآية (108): قوله: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ الآية، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ تهديد لهم ووعيد.
الآية (109): ثم قال: ﴿ هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي: هَبْ أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أُبْدِيَ لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر - وهم مُتَعَبَّدون بذلك- فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله عز وجل الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يومئذ لهم وكيلا، ولهذا قال: ﴿ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾.
الآية (110): يخبر تعالى عن كرمه وجوده: أن كل من تاب إليه تاب عليه من أيّ ذنب كان؛ فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾.
قال ابن عباس: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وَسَعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا ﴿ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والجبال والأرض.
وعن ابن مسعود قال: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهم ذنبًا أصبح قد كُتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئًا قرضه بالمقراض. فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرٌ مما آتاهم؛ جعل الماء لكم طهورًا، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران:135]، وقال: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [رواه ابن جرير وصحح إسناده أحمد شاكر].
وعن حبيب بن أبي ثابت قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مُغَفَّل، فسألته عن امرأة فَجَرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها؟ قال عبد الله ابن مغفل: ما لها؟! لها النار، فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾. قال: فمسحت عينها، ثم مضت [رواه ابن جرير وصحح إسناده أحمد شاكر].
وروى الإمام أحمد عن علي قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني عنه. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يذنب ذنبًا ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له». وقرأ هاتين الآيتين: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ الآية، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ [آل عمران:135] [رواه أحمد، وصححه أحمد شاكر].
الآية (111): وقوله: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ﴾ [فاطر:18]، يعني: أنه لا يجني أحد على أحد، وإنما على كل نفس ما عملت، لا يحمل عنها غيرها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أي: مِن علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك.
الآية (112): ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ هذا التقريع وهذا التوبيخ عام في كل مَن هذه صفته.
الآية (113): ثم قال: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب: وهو القرآن، والحكمة: وهي السنة، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ أي: قبل نزول ذلك عليك؛ كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى:52-]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ [القصص:86]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾.