الآية (109): هذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة، عما أُجيبوا به مِن أُممهم الذين أرسلهم إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأعراف:6]، وقال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩٢﴾ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر:92-93].
وقول الرسل: ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا ﴾ قال مجاهد والحسن البصري والسُّدِّي: إنما قالوا ذلك مِن هول ذلك اليوم. ولا شك أنه قولٌ حسَن، وهو من باب التأدب مع الرب ﷻ؛ أي: لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن -وإن كنا قد أُجبنا وعرفنا من أجابنا- ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره، لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كَلاَ عِلْم؛ فإنك ﴿ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾.
الآية (110): يذكر تعالى ما امتنَّ به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام، مما أجراه على يديه من المعجزات الباهرات وخوارق العادات، فقال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ﴾ أي: في خلقي إياك من أُمٍّ بلا ذكَر، وجَعْلِي إياك آيةً ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء ﴿ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ حيث جَعلتُكَ لها برهانًا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة ﴿ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ وهو جبريل عليه السلام، وجعلتك نبيًا داعيًا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرًا، فشهدتَ ببراءة أمّك من كل عيب، واعترفتَ لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ﴾ أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضَمَّن ﴿ تُكَلِّمُ ﴾ تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب.
وقوله: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ أي: الخط والفهم ﴿ وَالتَّوْرَاةَ ﴾ وهي المنزّلة على موسى بن عمران الكليم. وقوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ﴾ أي: تصوّره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك ﴿ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ﴾، أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكّلتَها بإذني لك في ذلك، فتكون طيرًا ذا روح بإذن الله وخلقه. وقوله: ﴿ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ﴾ قد تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران.
وقوله: ﴿ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ﴾ أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته، وإرادته ومشيئته.
وقوله: ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أي: واذكر نعمتي عليك في كفِّي إياهم عنك، حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوّتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعَوا في قتلك وصلبك، فنجّيتُك منهم، ورفعتك إليَّ، وطهّرتك من دنسهم، وكفيتُك شرَّهم.
وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رَفْعِهِ إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعًا يوم القيامة، وعبَّر عنه بصيغة الماضي دلالةً على وقوعه لا محالة. وهذا من أسرار الغيوب التي أطْلَع الله عليها رسوله محمدًا ﷺ.
الآية (111): قوله: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ﴾ وهذا أيضًا من الامتنان عليه عليه السلام بأن جعل له أصحابًا وأنصارًا. ثم قيل: المراد بهذا الوحي وحيُ إلهام؛ كما قال: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ الآية [القصص:7]، وهذا وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾ الآية [النحل:68، 69]. وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ أي: أُلهِموا ذلك، فامتثلوا ما أُلهموا. قال الحسن البصري: ألهمهم الله عز وجل ذلك، وقال السُّدي: قذف في قلوبهم ذلك.
الآية (112): هذه قصة المائدة، وإليها تُنسب السورة فيقال: «سورة المائدة». وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية باهرة وحجة قاطعة. وقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم.
فقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ ﴾ وهم أتباع عيسى عليه السلام ﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون: «هل تَسْتَطيعُ رَبَّك» أي: هل تستطيع أن تسأل ربك ﴿ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾. والمائدة هي: الخوان عليه طعام. وذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم، فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوَّون بها على العبادة.
﴿ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: فأجابهم المسيح عليه السلام قائلًا لهم: اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين.
الآية (113): ﴿ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا ﴾ أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء ﴿ وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ أي: ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ أي: ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوّتك وصدق ما جئت به.