حجم الخط:

الآيات (109-115)

الآية (109): ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: الجميع ملْكٌ له وعَبيدٌ له ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي: هو المتصرف في الدنيا والآخرة، الحاكم في الدنيا والآخرة.

الآية (110-112): يُخبِر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، عن أبي هريرة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال: خَيْرَ الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. [رواه البخاري]. والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ : هذه الآية عامةٌ في جميع الأمة، كل قَرْن بحسبه، وخير قرونهم: الذين بُعِثَ فيهم رسول الله ، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ؛ أي: خيارًا ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ [البقرة:143]. وإنما حازت هذه الأمة قَصَبَ السَّبْق إلى الخيرات بنبيّها محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه أشرفُ خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع عظيم لم يُعْطِهِ نبيًّا قبله ولا رسولًا من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقُوم القليلُ منه ما لا يقوم العملُ الكثيرُ من أعمال غيرهم مقامه... فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا المدح، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79]. ولهذا لما مَدح الله تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال: ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ أي: بما أنزل على محمد ﴿ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ أي: قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان. ثم قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين ومُبشِّرًا لهم أن النصر والظَّفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ وهكذا وقَع؛ فإنهم يوم خَيْبَر أذلّهم الله وأرْغَم آنافَهُم، وكذلك مَن قبلهم من يهود المدينة: بني قَيْنُقَاع وبني النَّضِير وبني قُرَيْظَة، كلهم أذلّـهم الله، وكذلك النصارى بالشام كَسَرهم الصحابة في غير ما موطن، وسَلَبوهم مُلْك الشام أبدَ الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عِصَابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم عليه السلام بشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيَكْسر الصَّلِيب، ويقتل الخنزير، ويَضَع الجزْية، ولا يقبل إلا الإسلام.

ثم قال تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ أي: ألزَمَهُم اللهُ الذلّةَ والصَّغَار أينما كانوا، فلا يأمنون ﴿ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي: بذمة من الله، وهو عَقْد الذمة لهم وضَرْب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، ﴿ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ أي: أمان منهم ولهم، كما في المُهَادَن والمعاهَد والأسير إذا أمَّنَه واحد من المسلمين. وقال ابن عباس: أي: بعهد من الله وعهد من الناس، وهكذا قال مُجاهد، وعِكْرِمة، وغيرهم. وقوله: ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي: أُلزِمُوا فالتزَمُوا بغضب من الله، وهم يستحقونه، ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أي: أُلزِِمُوها قَدرًا وشَرْعًا. ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ أي: وإنما حملهم على ذلك الكبْر والبَغْي وَالْـحسَد، فأعْقَبَهم ذلك الذِّلة والصَّغَار والمسكنة أبدًا، متصلًا بِذلَّةِ الآخرة.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله وقَتْلِ رُسُل الله وقُيِّضُوا لذلك: أنّهم كانوا يُكثِرون العصيان لأوامر الله عز وجل والغشَيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فَعِياذًا بالله من ذلك، والله المستعان.

الآية (113-115): [سبب النزول] عن ابن مسعود قال: أخَّر رسولُ الله صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة: فقال: «أَمَا إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الأدْيَانِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللهَ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْركُمْ». قال: وأُنزِلَت هذه الآيات: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ حتى بلغ: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. والمشهور عند كثير من المفسرين - ورواه العوفي عن ابن عباس- أن هذه الآيات نزلت فيمن آمَنَ من أحبار أهل الكتاب؛ كعبد الله بن سَلام، وأسَد بن عُبَيْد، وثعلبة بن سَعْية وأُسيد بن سعية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدَّم ذكرهم بالذَّم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ أي: ليسوا كلُّهم على حَدٍّ سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المُجْرم، ولهذا قال تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعِه مُتَّبِعة نبيَّ الله ﴿ قَائِمَةٌ بمعنى مستقيمة ﴿ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي: يقومون الليل، ويُكثرون التهجُّد، ويتلون القرآن في صلواتهم ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:199]، وهكذا قال ههنا: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ أي: لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء. ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملًا.