حجم الخط:

الآيات (11-15)

الآية (11-12): ﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: خالقهما وما بينهما، ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا أي: من جِنسِكم وشَكْلكم، مِنَّةً عليكم وتفضُّلًا جَعَل من جنسكم ذَكَرًا وأنثى.

﴿ وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا أي: وخَلَقَ لكم من الأنعام ثمانيةَ أزواج.

﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أي: يخلقكم فيه، أي: في ذلك الخَلْق على هذه الصفة لا يزال يَذْرَؤُكم فيه ذكورًا وإناثًا، خَلْقًا من بعد خَلْق، وجيلًا بعد جيل، ونَسْلًا بعد نَسْل، من الناس والأنعام.

وقال البغوي: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أي: في الرَّحِم. وقيل: في البَطْن. وقيل: في هذا الوَجْه من الـخِلْقَة. قال مجاهد: نَسْلًا بعد نَسْل من الناس والأنعام.

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي: ليس كخالق الأزواج كلها شيء؛ لأنه الفَرْدُ الصَّمَد الذي لا نظير له، ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .

وقوله: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تقدَّم تفسيره في «سورة الزُّمَر»[1]، وحاصل ذلك أنه الـمُتَصَرِّف الحاكم فيهما.

﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ أي: يوسِّع على من يشاء، ويُضَيِّقُ على من يشاء، وله الحكمة والعدل التام ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

الآية (13-14): يقول تعالى لهذه الأمة: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ فذَكَرَ أَوَّل الرُّسُل بعد آدم عليه السلام، وهو نوح عليه السلام، وآخرهم وهو محمد ، ثم ذَكَر مَن بين ذلك مِن أُولِي العَزْم وهم: إبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم .

وهذه الآية انتظمت ذِكر الخمسة كما اشتملت آية «الأحزاب» عليهم في قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الآية [الأحزاب:7].

والدِّين الذي جاءت به الرُّسل كلهم هو: عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

وفي الحديث: «نحن مَعْشَرَ الأنبياء أولاد عَلَّاتٍ، ديننا واحد» [متفق عليه]. أي: القَدْر الـمُشْتَرَك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختَلَفَت شرائعهم ومناهجهم؛ كقوله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: وَصَّى الله تعالى جميع الأنبياء بالائتلاف والجماعة، ونَهَاهم عن الافتراق والاختلاف.

وقوله: ﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أي: شَقَّ عليهم وأنكروا ما تَدْعُوهم إليه يا محمد من التوحيد.

﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ أي: هو الذي يُقدِّر الهداية لـمن يَسْتَحِقُّها، ويَكتُب الضلالة على من آثَرَهَا على طريق الرُّشْد؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ أي: إنَّما كان مخالفتهم للحقِّ بعد بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حَمَلَهم على ذلك إلا البَغْيُ والعِنَادُ والمشاقَّة.

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى أي: لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعَجَّلَ لهم العقوبة في الدنيا سريعًا: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذِّب للحقِّ.

﴿ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ أي: ليسوا على يقين مِن أَمْرِهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا بُرهان، وهم في حَيْرَة من أمرهم، وشكٍّ مُرِيب، وشِقَاق بعيد.

الآية (15): اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مُسْتَقِلَّات، كل منها مُنْفَصِلة عن التي قَبلها، حُكْمٌ برأسها، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي؛ فإنها أيضًا عشرة فصول كهذه.

قوله: ﴿ فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ أي: فللذي أوحينا إليك من الدِّين الذي وَصَّيْنا به جميع المرسلين قَبْلَك أصحاب الشرائع الكبار الـمُتَّبَعَة كأولي العَزْم وغيرهم، فادعُ الناس إليه.

﴿ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ أي: واستقم أنت ومن اتَّبَعَك على عبادة الله، كما أَمَرَكم الله عز وجل.

﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ يعني: المشركين فيما اختلقوه، وكَذَبُوه وافتروه من عبادة الأوثان. ﴿ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ أي: صَدَّقْتُ بجميع الكُتُب الـمُنْزَلَة من السماء على الأنبياء، لا نفرق بين أحد منهم.

وقوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ أي: في الحكم كما أَمَرَني الله.

﴿ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ أي: هو المعبود، لا إله غيره، فنحن نُقِرُّ بذلك اختيارًا، وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارًا، فله يَسْجُدُ من في العالمين طَوْعًا واختيارًا.

﴿ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ أي: نحن برَآءُ منكم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41].

وقوله: ﴿ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ قال مجاهد: أي لا خصومة. قال السُّدِّي: وذلك قبل نزول آية السَّيف. وهذا مُتَّجِهٌ؛ لأن هذه الآية مكِّيَّة، وآية السَّيف بعد الهجرة.

﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا أي: يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ:26].

وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي: الـمرجع والمآب يوم الحساب.