الآية (11-12): ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ أي: إنما أُمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ قال السُّدي: يعني من أمته ﷺ.
الآية (13): يقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: ﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهو يوم القيامة. وهذا شَرْط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى.
الآية (14-15): ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴿١٤﴾ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ﴾ وهذا أيضًا تهديد وتَبَرٍّ منهم. ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ ﴾ أي: إنما الخاسرون كل الخسران ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أُسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور. ﴿ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ أي: هذا هو الخسار البيِّن الظاهر الواضح.
الآية (16): ثم وصف حالهم في النار فقال: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾؛ كما قال: ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف:41]. وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ﴾ أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم، ﴿ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾ أي: اخشوا بأسي وسطوتي، وعذابي ونقمتي.
الآية (17-18): قال زيد بن أسلم: ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا ﴾ نزلت في زيد بن عمرو بن نُفَيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي. والصحيح أنها شاملةٌ لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن.
فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ثم قال: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه؛ كقوله تعالى لموسى حين آتاه التوراة: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ [الأعراف:145]. ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ أي: ذوو العقول الصحيحة، والفِطَر المستقيمة.
الآية (19): ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ يقول تعالى: أفمن كتب الله أنه شَقِيٌّ تَقْدِرُ تُنْقذُه مما هو فيه من الضلال والهلاك؟! أي: لا يهديه أحد من بعد الله؛ لأنه من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهده فلا مضل له.
الآية (20): أخبر عن عباده السعداء أن لهم غرفًا في الجنة، وهي القصور الشاهقة. ﴿ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ ﴾ أي: طباق فوق طباق، مَبْنيات محكمات مزخرفات عاليات. عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة غرفة يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام» [رواه أحمد، وحسنه الألباني]. وعن سهل ابن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء». قال: فحدثتُ بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: «كما تراءون الكوكب الدرّي في الأفق الشرقي أو الغربي» [متفق عليه].
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف، كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع، في تفاضل أهل الدرجات». فقالوا: يا رسول الله، أولئك النبيون؟ فقال: «بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدّقوا الرسل» [رواه أحمد والترمذي، وصححه لغيره الألباني].
وقوله: ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي: تسلك الأنهار من خلال ذلك، كما يشاؤون وأين أرادوا. ﴿ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ أي: هذا الذي ذكرناه وَعْدٌ وعَدَه الله عباده المؤمنين ﴿ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ﴾.
الآية (21): يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال عز وجل: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ [الفرقان:48]، فإذا أنزل الماء من السماء كَمَن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، ويُنِبعهُ عيونًا ما بين صغار وكبار، بحسب الحاجة إليها؛ ولهذا قال: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾.
عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال: ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾، فمن سرّه أن يعود الملح عذبًا فليصعده. وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي: أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء. وقال سعيد بن جبير: أصله من الثلج، يعني: أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسافلها.
قوله: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا ﴾ أي: ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعًا ﴿ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ أي: أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه، ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ أي: بعد نضارته وشبابه يكتهل ﴿ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ﴾ قد خالطه اليُبْس ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ﴾ أي: ثم يعود يابسًا يتحطم.
﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ أي: الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا، تكون خَضرةً نضرةً حسناء، ثم تعود عَجُوزًا شوهاء، والشاب يعود شيخًا هَرِمًا كبيرًا ضعيفًا، وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير. وكثيرًا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء، وينبت به زروعًا وثمارًا، ثم يكون بعد ذلك حُطامًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف:45].