الآية (11-15): ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً ﴾ هذه صيغة تكثير؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ﴾ [الإسراء:17]. وقال: ﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ [الحج:45].
وقوله: ﴿ وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ أي: أُمَّةً أخرى بعدهم.
﴿ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا ﴾ أي: تَيَقَّنُوا أن العذاب واقع بهم، كما وَعَدَهم نبيُّهم ﴿ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ أي: يَفِرُّون هاربين.
﴿ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ ﴾ هذا تَهَكُّمٌ بهم قَدَرًا، أي: قِيل لهم قَدَرًا: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور، والمعيشة والمساكن الطيبة. قال قتادة: استهزاءً بهم.
﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ أي: عمَّا كنتم فيه من أداء شكر النعمة.
﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك، ﴿ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ﴾ أي: ما زالت تلك المقالة -وهي الاعتراف بالظلم- هِجِّيرَاهم[1]، حتى حَصَدْنَاهم حَصْدًا، وَخَمَدَتْ حركاتهم وأصواتهم خمودًا.
الآية (16-20): يخبر تعالى أنه خَلَق السموات والأرض بالحقِّ، أي: بالعدل والقسط، ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم:31]، وأنه لم يَخْلُق ذلك عَبَثًا ولا لَعِبًا، كما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص:27].
وقوله تعالى: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ﴾ قال مجاهد: يعني: من عندنا، يقول: وما خلقنا جنةً ولا نارًا، ولا موتًا ولا بعثًا ولا حسابًا. وقال الحسن وقتادة وغيرهما: اللَّهْو: المرأة بلسان أهل اليمن، وقال عكرمة والسدي: المراد باللَّهو ههنا: الولد. وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: ﴿ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [الزمر:4]، فَنَزَّهَ نفسه عن اتخاذ الولد مُطلَقًا، لا سيما عمَّا يقولون من الإفك والباطل، من اتخاذ عيسى أو العُزير أو الملائكة ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء:43].
وقوله: ﴿ إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ قال قتادة وإبراهيم النخعي: أي: ما كنَّا فاعلين. وقال مجاهد: كل شيء في القرآن «إِنْ» فهو إنكار.
وقوله: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ ﴾ أي: نُبَيِّنُ الحق فَيَدْحَضُ الباطل؛ ولهذا قال: ﴿ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ أي: ذاهب مُضْمَحِلٌّ.
﴿ وَلَكُمُ الْوَيْلُ ﴾ أي: أيها القائلون: لله ولد ﴿ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ أي: تقولون وتفترون.
ثم أَخبَر تعالى عن عبودية الملائكة له، ودأبهم في طاعته ليلًا ونهارًا، فقال: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِنْدَهُ ﴾ يعني: الملائكة ﴿ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ أي: لا يستنكفون عنها؛ كما قال: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء:172]. وقوله: ﴿ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي: لا يَتْعَبُون ولا يَمَلُّون.
﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾ فهم دائبون في العمل ليلًا ونهارًا، مُطِيعون قصدًا وعملًا، قادرون عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم:6].
الآية (21-23): يُنْكِر تعالى على من اتَّخذ من دونه آلهة، فقال: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴾ أي: أهم يُحيُون الموتى ويُنْشِرُونهم من الأرض؟! أي: لا يَقْدِرُون على شيء من ذلك، فكيف جَعَلُوها لله ندًّا وعَبَدوها معه؟!
ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لَفَسَدَت السموات الأرض، فقال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ ﴾ أي: في السماء والأرض ﴿ لَفَسَدَتَا ﴾؛ كقوله تعالى: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون:91]، وقال ههنا: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي: عمَّا يقولون إن له ولدًا أو شريكًا سبحانه وتعالى وتقدَّس وتَنَزَّه عن الذي يفترون ويَأفِكُون علوًّا كبيرًا.
وقوله: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ أي: هو الحاكم الذي لا مُعَقِّبَ لحكمه، ولا يَعتَرِض عليه أحد، لعظمته وجلاله وكبريائه، وعُلُوِّه وحكمته وعَدْلِه ولُطْفِه.
﴿ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ أي: وهو سائلٌ خَلْقَهُ عما يعملون؛ كقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩٢﴾ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر:92، 93]، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ [المؤمنون:88].
الآية (24): يقول تعالى: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: دليلكم على ما تقولون.
﴿ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ﴾ يعني: القرآن، ﴿ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ﴾ يعني: الكتب المتَقَدِّمة على خلاف ما تقولون وتزعمون، فكل كتاب أُنْزِلَ على نبيٍّ أُرسل، ناطقٌ بأنه لا إله إلا الله، ولكن أنتم -أيها المشركون- لا تعلمون الحق، فأنتم معرضون عنه.