حجم الخط:

الآيات (112-136)

الآية (112-115): ﴿ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ؟ أي: وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي، ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه لا يلزمني التنقيب عنه والبحث والفحص، إنما عليَّ أن أَقْبَل منهم تصديقهم إياي، وأَكِلُ سَرَائرهم إلى الله عز وجل.

﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ ﴿١١٣ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ كأنهم سألوا منه أن يُبْعِدَهُم عنه لِيُتَابعوه، فأبى عليهم ذلك، وقال: ﴿ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٤ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: إنما بُعِثْتُ نذيرًا، فمن أطاعني واتَّبَعَني وصَدَّقَني كان مني وكُنْتُ منه، سواء كان شريفًا أو وضيعًا، أو جليلًا أو حقيرًا.

الآية (116-122): لَـمَّا طال مقام نبي الله بين أظهرهم يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وجهرًا وإسرارًا، وكلَّما كرَّرَ عليهم الدعوة صَمَّمُوا على الكفر الغليظ، والامتناع الشديد، وقالوا في الآخِر: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ أي: عن دعوتك إيَّانا إلى دينك يا نوحُ ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ أي: لَنَرْجُمَنَّكَ. فعند ذلك دعا عليهم دعوةً استجاب الله منه، فقال: ﴿ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ﴿١١٧ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴿١٠ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴿١١ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿١٢ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:10-14].

وقال ههنا: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١١٩ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ والمشحون: هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حُمِلَ فيه من كُلٍّ زوجين اثنين، أي: أنجينا نوحًا ومن اتَّبَعه كلَّهم، وأَغْرَقْنا من كَفَر به وخالف أمره، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٢١ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .

الآية (123-135): وهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله هود عليه السلام، أنه دعا قومه عادًا، وكانوا قومًا يسكنون الأحقاف، وهي: جبال الرَّمْل قريبًا من بلاد حضرموت من جهة اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، وكانوا في غاية من قوة التركيب، والقوة والبَطْش الشديد، والطُّول المديد، والأرزاق الدَّارَّة، والأموال والجنَّات، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبَعَثَ الله إليهم رجلًا منهم رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله وحده، وحَذَّرَهم نقمته وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه، إلى أن قال: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ اختلف المفسرون في الرِّيْع بما حَاصِله: أنه المكان الـمُرْتَفِعُ عند جَوَادِّ الطرق المشهورة. تَبْنُونَ هناك بنيانًا مُحْكَمًا باهرًا هائلًا؛ ولهذا قال: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً أي: مَعْلَمًا بِنَاءً مشهورًا.

﴿ تَعْبَثُونَ وإنما تفعلون ذلك عَبَثًا لا للاحتياج إليه؛ بل لِـمجرَّد اللعب واللهو وإظهار القوة؛ ولهذا أَنكَر عليهم نبيُّهم عليه السلام ذلك؛ لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يُجدِي في الدنيا ولا في الآخرة.

ولهذا قال: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ قال مجاهد: المصانع: البروج الـمُشَيَّدَة، والبنيان الـمُخَلَّد. وفي رواية عنه: بروج الـحَمَام. وقال قتادة: هي مأخذ الماء.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي: لكي تقيموا فيها أبدًا، وليس ذلك بحاصل لكم، بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم. وروي ابن أبي حاتم أن أبا الدرداء لَـمَّا رأى ما أَحدَث المسلمون في الغُوطَة من البنيان ونَصْب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تَسْتَحْيُون! ألا تَسْتَحْيُون؟! تجمعون ما لا تأكلون، وتَبنُون ما لا تسكنون، وَتَأْمُلُونَ ما لا تُدْرِكون، قد كانت قبلكم قرون، يجمعون فَيُوْعُون، ويَبْنُون فيُوثِقُون، ويَأْمُلُونَ فيُطيلون، فأصبح أَمَلُهم غرورًا، وجَمْعُهم بُورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا، ألا إن عادًا ملكت ما بين عَدن وعُمَان خيلًا وركابًا، فمن يشتري مني ميراث عادٍ بدرهمين؟!

وقوله: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت، ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ أي: اعبدوا ربكم، وأطيعوا رسولكم. ثم شَرَع يُذَكِّرهم نِعَم الله عليهم فقال: ﴿ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿١٣٢ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ﴿١٣٣ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٣٤ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: إن كَذَّبْتُم وخالفتم. فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نَفَع فيهم.

الآية (136): يقول تعالى مخبرًا عن جواب قوم هود له، بعدما حَذَّرَهم وأنذَرَهم، وَرَغَّبَهُم ورَهَّبَهم، وبيَّن لهم الحقَّ ووضَّحه: ﴿ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ أي: لا نرجع عمَّا نحن فيه، ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود:53]. وهكذا الأمر؛ فإن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:96-97].