الآية (114): ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ أي: تَنَزَّهَ وتَقَدّس الملك الحقُّ، الذي هو حقٌّ، وَوَعْدُه حقٌّ، ووعيده حقٌّ، ورسله حقٌّ، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، وكل شيء منه حقٌّ. وعَدْلُه تعالى ألَّا يُعَذِّبَ أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإِعذَار إلى خلقه؛ لئلا يَبقَى لأحد حجةٌ ولا شبهة.
وقوله: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ [القيامة:16-19]، وثَبَتَ عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يُعَالِجُ مِنَ الْوَحْيِ شِدَّةً، فكان مِمَّا يُحَرِّكُ لِسَانَه، فأَنزَل الله هذه الآية [متفق عليه]. يعني: أنه عليه السلام كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلَّما قال جبريل آيةً قالها معه، من شِدَّة حرصه على حفظ القرآن، فأَرشَدَه الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخفُّ في حَقِّه؛ لئلا يَشُقَّ عليه، فقال: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تَنسَى منه شيئًا، ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ أي: بل أَنْصِتْ، فإذا فَرَغَ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ أي: زدني منك علمًا.
الآية (115-122): ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ قال ابن عباس: إنما سُمِّيَ الإنسان لأنه عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ. وقال مجاهد والحسن: تَرَكَ.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ﴾: يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه، وما فَضَّلَه به على كثير ممن خَلَق تفضيلاً.
وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة «البقرة»، وفي «الأعراف»، وفي «الحجر»، و«الكهف»، وسيأتي في آخر سورة «ص». يَذكُر فيها تعالى خَلْقَ آدم وأَمْرَه الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، وَيُبَيِّنُ عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ ﴾ أي: امتنع واستكبر، ﴿ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ﴾ يعني: حواء عليها السلام.
﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ﴾ أي: إِيَّاكَ أن يسعى في إخراجك منها، فتَتْعَب وتَعْنَى وتَشقَى في طلب رزقك؛ فإنك ههنا في عيش رغيد هَنِيء، لا كُلفةَ ولا مَشَقَّةَ.
﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ﴾: إنما قَرَنَ بين الجوع والعُرْي؛ لأن الجوع ذُلّ الباطن، والعري ذُلّ الظاهر.
﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ﴾: وهذان أيضًا متقابلان، فالظمأ: حَرُّ الباطن، وهو العطش. والضحى: حَرُّ الظاهر.
وقوله: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ ﴾ قد تقدم أنه دلَّاهما بغرور ﱡﭐ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﱠ [الأعراف:21].
وقد تقدَّم أن الله تعالى أوحى إلى آدم وزوجته أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة. فلم يَزَلْ بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرةَ الخلد[1] يعني: التي مَن أكل منها خُلِّدَ ودام مُكْثُهُ. وقوله: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾ قال مجاهد: يُرَقِّعَان كهيئة الثوب. وكذا قال قتادة والسدي. وقوله: ﴿ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴿١٢١﴾ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴾ عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «حاجَّ موسى آدمَ، فقال له: أنت الذي أَخرَجْتَ الناس من الجنة بذَنبِكَ وأَشقَيتَهم؟! قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أَتَلُومُنِي على أَمْرٍ قد كَتَبَه الله عَلَيَّ قبل أن يخلقني، أو: قَدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني؟!» قال رسول الله ﷺ: «فحَجّ آدَمُ مُوسَى» [متفق عليه].
الآية (123-125): يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا منها جميعًا، أي: من الجنة كلكم. ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ آدم وذريته، وإبليس وذريته.
وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾ قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان، ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ﴾: قال ابن عباس: لا يَضِلُّ في الدنيا، ولا يَشْقَى في الآخرة.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾ أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي؛ أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ أي: في الدنيا؛ فلا طمأنينةَ له، ولا انشراحَ لصدره، بل صدره ضَيِّقٌ حَرَجٌ لِضَلَالِه، وإن تَنَعَّم ظاهره، ولَبِسَ ما شاء وأَكَلَ ما شاء، وسَكَنَ حيث شاء؛ فإن قلبه ما لم يَخْلُصْ إلى اليقين والهدى، فهو في قَلَقٍ وحَيْرَةٍ وشَكٍّ، فلا يزال في رَيبِهِ يَتَرَدَّد. فهذا من ضَنْكِ المعيشة.
عن أبي سعيد في قوله: ﴿ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ قال: يُضيَّق عليه قبرُه حتى تَختَلِف أضلاعه فيه.
وقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ﴾: قال مجاهد وأبو صالح والسدي: لا حجةَ له. وقال عكرمة: عُمِّي عليه كل شيء إلا جهنم. ويُحتَمَل أن يكون المراد: أنه يُحشَر أو يُبعَث إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ [الإسراء:97]. ولهذا يقول: ﴿ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ أي: في الدنيا.