الآية (116-117): ثم قال تعالى مُخبرًا عن الكفَرة المشركين بأنه ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ ﴾ أي لا يُرَدّ عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم ﴿ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. ثم ضرب مثلًا لِـما ينفقه الكفار في هذه الدار، فقال تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ أي: بَرْد شديد، قاله ابن عباس، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَير، وغيرهم. وعن ابن عباس أيضًا ومجاهد: أي: نار. وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد سيّما الجليد يحرق الزروع والثمار، كما يُحرَق الشيء بالنار، ﴿ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ ﴾ أي: أحرقته، يعني بذلك السَّفْعة إذا نزلت على حَرْث قد آن جدَادُه أو حَصَاده فدمَّرَتْه وأعدَمَتْ ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبَت به وأفسدته، فعَدِمَه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار: يَمحق الله ثوابَ أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها كما أذهب ثمرةَ هذا الحرث بذنوب صاحبه.
وكذلك هؤلاء بَنَوْهَا على غير أصْل وعلى غير أساس ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾.
الآية (118-120): يقول تبارك وتعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانةً، أي: يُطْلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خَبَالًا، أي: يَسْعَوْنَ في مخالفتهم وما يضرُّهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودُّون ما يُعْنِتُ المؤمنين ويُحرجهم ويَشُقّ عليهم: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾ أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصّة أهله الذين يطّلعون على داخل أمره. وعن أبي سعيد؛ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِي وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة إلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالخيرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْـمَعْصُومُ مَنْ عَصَم اللهُ» [رواه البخاري]. قيل لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إن ههنا غلاما من أهل الحيرة، حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبًا؟ فقال: «قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين» ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذِّمَّة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالةٌ على المسلمين واطِّلاع على دَوَاخل أمُورهم التي يُخْشَى أن يُفْشُوها إلى الأعداء من أهل الحرب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ ﴾ أي: قد لاح على صَفَحات وجوههم وفلَتات ألسنتهم من العداوة -مع ما هم مُشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله- ما لا يخفى مثلُه على لبيب عاقل؛ ولهذا قال: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١١٨﴾ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ أي: أنتم - أيها المؤمنون - تحبون المنافقين مما يُظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنًا ولا ظاهرًا ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾ أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا رَيْب، وهُم عندهم الشك والرِّيَب والحيرة.
وعن ابن عباس: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾ أي: بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحقُّ بالبغضاء لهم، منهم لكم.
﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ ﴾ والأنامل: أطراف الصابع، وقيل: الأصابع. وهذا شأن المنافقين يُظْهِرون للمؤمنين الإيمانَ والمودّة، وهم في الباطن بخلاف ذلك مِن كل وجه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ ﴾ وذلك أشدّ الغيظ والحنَق، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويُغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتِمُّ نعمته على عباده المؤمنين ومُكَمّلٌ دينه، ومُعْلٍٍ كلمتَه ومُظهِرٌ دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكِنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يُريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها. ثم قال: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ ﴾. وهذه الحال دالّةٌ على شدة العداوة منهم للمؤمنين؛ وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصبٌ ونصرٌ وتأييد، وكثروا وعزَّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سَنَة -أي: جَدْب- أو أُدِيل عليهم الأعداء، لـِما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد؛ فَرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توّكل عليه كفاه.
الآية (121): شَرَعَ تعالى في ذكر قصة أحد، وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان صَبْر الصابرين؛ فقال: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ الآية. والمرادُ بهذه الوقعة: يوم أُحُد عند الجمهور، وكانت وقعةُ أُحُد يومَ السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة. وكان سببها أن المشركين حين قُتل مَن قُتل مِن أشرافهم يوْمَ بَدْر، وسَلِمَتْ العِيرُ بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سُفْيان، فلما رجع قَفَلُهُم قال أبناء مَن قُتل ورؤساء من بقي لأبي سفيان: ارصد هذه الأموال لقتال محمد، فأنفَقوها في ذلك، وجمعوا الجموع والأحابيش، وأقبلوا في قريبٍ من ثلاثة آلاف، حتى نزلوا قريبًا مِن أُحد تِلْقاء المدينة، فصلى رسولُ الله ﷺ يومَ الجمعة، واستشار الناس: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ [فأشاروا بالخروج]، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ أي: تُنزِلُهم منازلهم وتجعلهم مَيْمَنةً ومَيْسَرةً وحيث أمرتَهم، ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: سميع لما تقولون، عليم بضمائركم.