حجم الخط:

الآيات (119-124)

الآية (119): نَدَبَ إلى الأكل مما ذُكر اسم الله عليه، فقال:﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أي: قد بَيَّن لكم ما حَرَّم عليكم ووضَّحه. وقرأ بعضُهم: ﴿ فَصَّلَ بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح. ﴿ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ أي: إلا في حال الاضطرار؛ فإنه يُباح لكم ما وجدتم. ثم بيَّن تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلالهم الْـمَيْتَاتِ، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ أي: هو أعلم باعتدائهم وكَذِبهم وافترائهم.

الآية (120): قال مجاهد: ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ معصيته في السر والعلانية. وقال: قتادة: قليله وكثيره، سِرّه وعلانيته. والآية عامَّة، وهي كقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ الآية [الأعراف:33]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ أي: سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا؛ فإن الله سيجزيهم عليه. عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله عن الإثم فقال: «الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع الناس عليه» [رواه مسلم].

الآية (121): استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أنه لا تحل الذبيحة التي لم يُذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلمًا. قال ابن جرير: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نُسِخَ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عنيت به. وعلى هذا قول عامة أهل العلم. ورُوِيَ عن عكرمة والحسن البصري أنهما قالا: نسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة: 5]. ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حلِّ طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يُذكر اسم الله عليه. وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ ههنا فإنما أراد التخصيص، والله سبحانه وتعالى أعلم. ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ قال ابن عباس: هما وحيان: وحي الله ووحي الشيطان؛ فوحي الله إلى محمد ، ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ .

[سبب النزول]: عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدًا وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله عز وجل بشمشير[1] من ذهب يعني الميتة- فهو حرام؟! فنزلت هذه الآية: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [رواه الطبراني والطبري، وصحح إسناده أحمد شاكر].

وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فَقَدَّمْتُم عليه غيره فهذا هو الشرك؛ كما قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]. عن عديّ بن حاتم أنه قال: يا رسول الله! ما عبدوهم. فقال: «بل إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال، فاتَّبعوهم؛ فذلك عبادتهم إياهم» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].

الآية (122): هذا مثلٌ ضرَبه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا، أي: في الضلالة، هالكًا حائرًا، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ أي: يهتدي كيف يسلك، وكيف يتصرف به. والنور هو: القرآن، كما روي عن ابن عباس. وقال السُّدي: الإسلام. والكل صحيح. ﴿ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ أي: الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة، ﴿ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا أي: لا يهتدي إلى مَنْفَذ، ولا مَخْلَصَ مما هو فيه، وعن رسول الله أنه قال: «إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رشَّ عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل» [رواه أحمد، وصححه الألباني]؛ كما قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [هود:24]. والآيات في هذا كثيرة. وقوله تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: حُسِّن لهم ما هم فيه من الجهالة والضلالة، قدَرًا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا هو.

الآية (123-124): يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك -يا محمد- أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصدِّ عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يُبْتَلون بذلك، ثم تكون لهم العاقبة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:31]. قال ابن عباس: سَلَّطْنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. وقال مجاهد وقتادة: ﴿ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا قال عظماؤها. قلت: والمراد بالمكر ههنا: دعاؤهم إلى الضلالة بزُخرف من الْـمَقَالِ وَالْفِعَالِ؛ كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا [نوح:22]. ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلُّوه إلا على أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت:13].

وقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل؛ كقوله جل وعلا: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [الفرقان:21]. ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿٣١ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف:31-32].

وقوله: ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا هذا وعيد شديد من الله، وتهديد أكيد، لمن تكبّر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاءوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله ﴿ صَغَارٌ وهو الذلة الدائمة، كما أنّهم استكبروا أعقبهم ذلك ذُلًّا. ﴿ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ لَـمَّا كان المكر غالبًا إنما يكون خفيًّا؛ وهو التلطُّف في التَّحَيُّلِ والخديعة، قُوبِلوا بالعذاب الشديد جزاءً وفاقًا، ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].