الآية (119): أخبر تعالى تَكَرُّمًا وامتنانًا في حق العصاة المؤمنين: أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ قال بعض السلف: كل من عَصَى الله فهو جاهل.
﴿ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا ﴾ أي: أقلعوا عمَّا كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات. ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ﴾ أي: تلك الفِعْلَة والزَّلَّة ﴿ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
الآية (120-123): يَمدَح تعالى عبدَه ورسولَه وخليلَه إبراهيمَ، إمامَ الحُنَفَاء ووالد الأنبياء، وَيُبَرِّئُهُ من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية فقال: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ﴾، فأما «الْأُمَّة»، فهو الإمام الذي يُقْتَدَى به. والقانت: هو الخاشع الْـمُطِيعُ. والحنيف: الـمُنْحَرِف قَصْدًا عن الشرك إلى التوحيد؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. وقوله: ﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ﴾ أي: قائمًا بشُكر نِعم الله عليه، كما قال: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ ﴾ [النجم:37]، أي: قام بجميع ما أَمَرَه الله تعالى به. ﴿ اجْتَبَاهُ ﴾ أي: اختاره واصطفاه ﴿ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي. وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ أي: جَمَعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾، وقال مجاهد في قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ أي: لسان صدق. وقوله: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنَّا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء: ﴿ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ كما قال: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام:161].
الآية (124): قال تعالى منكرا على اليهود: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾. لا شَكَّ أن الله شَرَع في كل ملة يومًا من الأسبوع، يَجتمع الناس فيه للعبادة، فشَرَع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة؛ لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، وتَـمَّتْ النعمة على عباده. ويقال: إنه تعالى شَرَع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فعَدَلُوا عنه واختاروا السبت؛ لأنه اليوم الذي لم يَخلق فيه الرَّبُّ شيئًا من المخلوقات الذي كَمَّلَ خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصَّاهم أن يتمسَّكوا به وأن يُحافِظوا عليه، مع أَمره إياهم بمتابعة محمد ﷺ إذا بَعَثَه. وأخذه مواثيقهم وعهودهم على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾. قال مجاهد: اتَّبَعوه وتركوا الجمعة. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أُوتُوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فَرَضَ الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تَبَع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد».
الآية (125): يقول تعالى آمرًا رسوله محمدًا ﷺ أن يدعو الخلق إلى الله ﴿ بِالْحِكْمَةِ ﴾ قال ابن جرير: وهو ما أَنْزَلَه عليه من الكتاب والسنة، ﴿ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس؛ ذَكِّرْهُم بها، ليَحذَروا بأس الله تعالى. وقوله: ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الـحَسَن برفق ولين، وحُسن خطاب، كما قال: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ [العنكبوت:46]، فأمره تعالى بلِينِ الجانب، كما أَمَر موسى وهارون -عليهما السلام- حين بعثهما إلى فرعون فقال: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ [طه:44]. وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ أي: قد عَلِمَ الشقيَّ منهم والسعيد، وكَتَب ذلك عنده وفَرَغ منه، فادعهم إلى الله، ولا تذهب نفسك على من ضَلَّ منهم حسرات؛ فإنه ليس عليك هداهم إنما أنت نذير، عليك البلاغ، وعلينا الحساب، ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص:56].
الآية (126-128): يأمر تعالى بالعدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال ابن سيرين في قوله تعالى: ﴿ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾: إنْ أَخَذَ منكم رجل شيئًا، فخذوا منه مثلَه. وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم. واختاره ابن جرير.
وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن؛ فإنها مشتملة على مشروعية العدل والنَّدْب إلى الفضل، كما في قوله: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾، ثم قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى:40]. وقال: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾، ثم قال: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ [المائدة:45]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾، ثم قال: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾. وقوله: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾: تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك إنما يُنَال بمشيئة الله وإعانته، وحَوْلِه وقُوَّتِه.
﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: على من خالفك، لا تَحزَن عليهم؛ فإن الله قدَّر ذلك، ﴿ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ ﴾ أي: غَمٍّ ﴿ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ أي: ممَّا يجهدون في عداوتك وإيصال الشرِّ إليك؛ فإن الله كافيك وناصرك ومُؤيِّدك ومُظهِرك ومُظفِرك بهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته وهذه مَعيَّة خاصَّة؛ كقوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ﴾ [الأنفال:12]، وقوله لموسى وهارون: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ [طه:46]، وقول النبي ﷺ للصِّدِّيق وهما في الغار: ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة:40]، وأما المعيَّة العامَّة فبالسمع والبصر والعِلْم؛ كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الحديد:4]. ومعنى: ﴿ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أي: تركوا المحرَّمات، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ أي: فعلوا الطاعات؛ فهؤلاء الله يحفظهم ويكلُؤهم، ويَنصُرُهم ويُؤيِّدُهم، ويُظفِرهم على أعدائهم ومخالفيهم.